(فصل آخر: من روائع الأدب العربي)
قال ابن شمس الخلافة:
قيل: متى يحمد الكذب؟ قال: إذا جمع به بين متقاطعين.
قيل: فمتى يذم الصدق؟ قال: إذا كان غيبة.
قيل: فمتى يكون الصمت خيرا من النطق؟ قال عند المراء.
وسئل بعضهم: عن أعدل الناس, وأكيس الناس, وأحمق الناس, وأسعد الناس, وأشقى الناس.
فقال: أعدل الناس من أنصف من نفسه, وأجور الناس من ظلم لغيره, وأكيس الناس من أخذ أهبة الأمر قبل نزوله, وأحمق الناس من باع آخرته بدنيا غيره, وأسعد الناس من ختم له في آخرته بخير, وأشقى الناس من اجتمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة.
(فصل: في ذم الغيبة)
قال الله تعالى:"ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه".
وأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام: من مات تائبا من الغيبة, فهو آخر من يدخل الجنة, ومن مات وهو مصر عليها فهو أول من يدخل النار.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما النار في اليبس بأسرع من الغيبة في حسنات العبد".
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إياكم وذكر الناس, فإنه داء. وعليكم بذكر الله, فهو شفاء.
وسمع علي بن الحسين رضي الله عنهما - رجلا يغتاب آخر - فقال: إياك والغيبة فإنها إدام كلاب الناس.
وقال محمد بن السماك: تجنب غيبة أخيك لخصلتين: أما الواحدة, فلعلك أن تغتابه بشيء هو فيك؛ وأما الأخرى فاشكر الله إذ عافاك مما ابتلاه به.
واغتاب بعضهم رجلا عند قتيبة بن مسلم. فقال له قتيبة: مهلا أيها الرجل: فلقد تلمظت بمضغة طالما عافها الكرام.
وقال عمرو بن عتيبة بن أبي سفيان: كنت أساير أبي, فلمحني وقد أصغيت إلى رجل يغتاب رجلا. فقال لي: ويلك - وما خاطبني بها قبلها ولا بعدها - إياك واستماع الغيبة! نزه سمعك عن الخنا, كما تنزه لسانك عن البذاء؛ فإن السامع شريك القائل.
ومر محمد بن سيرين بقوم, فقام إليه رجل منهم. فقال: يا أبا بكر: إنا قد نلنا منك فاجعلنا في حل. قال: إني لا أحل ما حرم الله تعالى.
وقال رجل للحسن البصري بلغني أنك تغتابني. فقال لم يبلغ من مقامك عندي أن أحكمك في حسناتي.
وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنه: أذكر أخاك بما تحب أن يذكرك به, ودع منه ما تحب أن يدعه منك.
وقيل لعمرو بن عبيدة: لقد اغتابك فلان حتى رحمناك. قال: إياه فارحموا.