وَقَوْلُهُ: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُحَدِّثُ بِهِ نَفْسُهُ، فَلَا يَخْفَى عَلَيْنَا سَرَائِرُهُ وَضَمَائُرُ قَلْبِهِ {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}
يَقُولُ: وَنَحْنُ أَقْرَبُ لِلْإِنْسَانِ مِنْ حَبْلِ الْعَاتِقِ؛ وَالْوَرِيدُ: عِرْقٌ بَيْنَ الْحُلْقُومِ وَالْعِلْبَاوَيْنِ، وَالْحَبْلُ: هُوَ الْوَرِيدُ، فَأُضِيفَ إِلَى نَفْسِهِ لِاخْتِلَافِ لَفْظِ اسَمَيْهِ.
عَنْ مُجَاهِدٍ، {حَبْلِ الْوَرِيدِ} قَالَ: الَّذِي يَكُونُ فِي الْحَلْقِ""
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: «عِرْقُ الْعُنُقِ»
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: نَحْنُ أَمْلَكُ بِهِ، وَأَقْرَبُ إِلَيْهِ فِي الْمَقْدِرَةِ عَلَيْهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} بِالْعِلْمِ بِمَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَى الْإِنْسَانِ مِنْ وَرِيدِ حَلْقِهِ، حِينَ يَتَلَقَّى الْمَلَكَانِ، وَهُمَا الْمُتَلَقِّيَانِ {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ}
وَقِيلَ: عَنَى بِالْقَعِيدِ: الرَّصَدَ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ تَوْحِيدِ قَعِيدٍ،
وَقَدْ ذُكِرَ مِنْ قَبْلُ مُتَلَقِّيَانِ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: قِيلَ: {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ} وَلَمْ يَقُلْ: عَنِ الْيَمِينِ قَعِيدٌ، وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ، أَيْ أَحَدُهُمَا، ثُمَّ اسْتَغْنَى، كَمَا قَالَ: {نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا} ثُمَّ اسْتَغْنَى بِالْوَاحِدِ عَنِ الْجَمْعِ، كَمَا قَالَ: {فَإِنْ طَبِنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا}
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ {قَعِيدٌ} يُرِيدُ: قُعُودًا عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ، فَجَعَلَ فَعِيلٌ جَمْعًا، كَمَا يُجْعَلُ الرَّسُولُ لِلْقَوْمِ وَلِلِاثْنَيْنِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} لِمُوسَى وَأَخِيهِ، وَقَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر المتقارب]
أَلِكْنِي إِلَيْهَا وَخَيْرُ الرَّسُولِ ... أَعْلَمُهُمْ بِنَوَاحِي الْخَبَرْ