قوله تعالى: {إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ}
لما ذكر مآل الكفار ذكر مآل المؤمنين أي هم في بساتين فيها عيون جارية على نهاية ما يتنزه به.
{آخِذِينَ} نصب على الحال.
{مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ} أي ما أعطاهم من الثواب وأنواع الكرامات؛ قاله الضحاك.
وقال ابن عباس وسعيد بن جبير:"آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ"أي عاملين بالفرائض.
{إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ} أي قبل دخولهم الجنة في الدنيا {مُحْسِنِينَ} بالفرائض.
وقال ابن عباس: المعنى كانوا قبل أن يفرض عليهم الفرائض محسنين في أعمالهم.
كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17)
فيه خمس مسائل:
الأولى قوله تعالى: {كَانُواْ قَلِيلاً مِّن الليل مَا يَهْجَعُونَ} معنى"يَهْجَعُونَ"ينامون؛ والهجوع النوم ليلاً، والتَّهْجاع النومة الخفيفة؛ قال أبو قيس بن الأَسْلَت:
قد حصَّتِ البيضةُ رأسي فَمَا ...
أَطْعَمُ نَوْماً غيرَ تَهْجاعِ
وقال عمرو بن مَعْدي كرِب يتشوّق أخته وكان أسرها الصِّمَّة أبو دُرَيد بن الصِّمَّة:
أَمِنْ رَيْحَانة الدَّاعِي السَّميعُ ...
يُؤَرِّقُنِي وأَصحابي هُجوعُ
يقال: هَجَعَ يَهْجَع هُجوعاً، وهَبَغَ يَهْبَغُ هُبوغاً بالغين المعجمة إذا نام؛ قاله الجوهري.
واختلف في"ما"فقيل: صلة زائدة قاله إبراهيم النخعي والتقدير كانوا قليلاً من الليل يهجعون؛ أي ينامون قليلاً من الليل ويصلّون أكثره.
قال عطاء: وهذا لما أمروا بقيام الليل.
وكان أبو ذرّ يحتجِز ويأخذ العصا فيعتمد عليها حتى نزلت الرخصة {قُمِ الليل إِلاَّ قَلِيلاً} الآية.
وقيل: ليس"ما"صلة بل الوقف عند قوله:"قَلِيلاً"ثم يبتدئ {مِّن الليل مَا يَهْجَعُونَ} ف"ما"للنفي وهو نفي النوم عنهم البَتّةَ.
قال الحسن: كانوا لا ينامون من الليل إلا أقله وربما نَشِطوا فجدّوا إلى السحر.