روي عن يعقوب الحضرمي أنه قال: اختلفوا في تفسير هذه الآية فقال بعضهم:"كَانُوا قَلِيلاً"معناه كان عددهم يسيراً ثم ابتدأ فقال: {مِّن الليل مَا يَهْجَعُونَ} على معنى من الليل يهجعون ؛ قال ابن الأنباري: وهذا فاسد ؛ لأن الآية إنما تدل على قلة نومهم لا على قلة عددهم ، وبعد فلوا ابتدأنا"مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ"على معنى من الليل يهجعون لم يكن في هذا مدح لهم ؛ لأن الناس كلهم يهجعون من الليل إلا أن تكون"ما"جَحْداً.
قلت: وعلى ما تأوّله بعض الناس وهو قول الضحاك من أن عددهم كان يسيراً يكون الكلام متصلاً بما قبل من قوله: {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ} أي كان المحسنون قليلاً ، ثم استأنف فقال: {مِّن الليل مَا يَهْجَعُونَ} وعلى التأويل الأوّل والثاني يكون"كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ"خطاباً مستأنفاً بعد تمام ما تقدّمه ويكون الوقف على"مَا يَهْجَعُونَ"، وكذلك إن جعلت"قَلِيلاً"خبر كان وترفع"ما"بقليل ؛ كأنه قال: كانوا قليلاً من الليل هجوعهم.
ف"ما"يجوز أن تكون نافية ، ويجوز أن تكون مع الفعل مصدراً ، ويجوز أن تكون رفعاً على البدل من اسم كان ، التقدير كان هجوعهم قليلاً من الليل ، وانتصاب قوله:"قَلِيلاً"إن قدرت"ما"زائدة مؤكدة ب"يَهْجَعُونَ"على تقدير كانوا وقتاً قليلاً أو هجوعاً قليلاً يهجعون ، وإن لم تقدر"ما"زائدة كان قوله:"قَلِيلاً"خبر كان ولم يجز نصبه ب"يَهْجَعُونَ"؛ لأنه إذا قدر نصبه ب"يَهْجَعُونَ"مع تقدير"ما"مصدراً قدمت الصلة على الموصول.
وقال أنس وقتادة في تأويل الآية: أي كانوا يصلّون بين العشاين: المغرب والعشاء.
أبو العالية: كانوا لا ينامون بين العشاءين.
وقاله ابن وهب.
وقال مجاهد: نزلت في الأنصار كانوا يصلون العشاءين في مسجد النبيّ صلى الله عليه وسلم ثم يمضون إلى قُباء.