ومن لطائف ونكات تفسير حدائق الروح والريحان:
سورة الذاريات
{وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (1) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (2) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (3) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (4) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (5) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (6) }
فإن قلت: ما الحكمة في أنّ الله تعالى قد أقسم بالخلق، وقد ورد النهي عن القسم بغير الله تعالى؟
قلت: فيه وجوه:
الأول: أنه على حذف مضاف؛ أي: ورب الذاريات، وربِّ التين، ورب الشمس.
والثاني: أنّ العرب كانت تعظم هذه الأشياء، وتقسم بها، فنزل القرآن على ما يعرفون.
والثالث: أنّ الإقسام إنما يكون بما يعظمه المقسم أو يجله، وهو فوقه، والله تعالى ليس شيء فوقه، فأقسم تارةً بنفسه، وتارةً بمصنوعاته؛ لأنَّها تدل على بارئٍ، وصانع حكيم، وقال بعضهم: القسم بالمصنوعات يستلزم بالصانع؛ لأنّ ذكر المفعول يستلزم ذكر الفاعل، إذ يستحيل وجود مفعول بغير فاعل.
وقال بعضهم: إنّ الله تعالى يقسم بما شاء من خلقه، وليس لأحد أن يقسم إلا بالله تعالى.
وقال بعضهم: القسم: إما لفضيلة، أو منفعة، ولا تخلو المصنوعات عنهما.
{إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (5) }
قال في"الإرشاد": وصف الوعد بالصدق كوصف العيشة بالرضى في أنّ اسم الفاعل مسند إلى المفعول به، إذ الوعد مصدوق، والعيشة مرضية.
وقال القاضي زكرياء:
إن قلت: كيف قال ذلك، مع أنّ الصادق وصف للواعد لا لما يوعد؟
قلت: وصف به ما يوعد مبالغة، أو هو بمعنى مصدوق، كعيشة راضية، وماء دافق؛ أي: عيشة مرضية وماء مدفوق، فاسم الفاعل جاء بمعنى اسم المفعول انتهى. وقال ابن الشيخ: أي: لذو صدق على أنّ البناء للنسب كتامر ولابن؛ لأنّ الموعود لا يكون صادقًا، بل الصادق هو الواعد، وإما مصدرية؛ أي: إن وعدكم بالثواب، ووعيدكم بالعذاب لصادق؛ أي: لمحقّق لا محالة، إذ يحتمل {تُوعَدُونَ} أن يكون مضارع وعد وأوعد، والثاني: هو المناسب للمقام؛ لأنّ الكلام مع المنكرين.
{مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) }
فإن قلت: ما فائدة تكرار لفظ {مَا أُرِيدُ} ؟
قلت: فائدته إفادة حكم زائد على ما قبله. إذ المعنى: ما أريد منهم أن يطعموا أنفسهم، وما أريد منهم أن يطعموا عبيدي. وإنما أضاف تعالى الإطعام إلى نفسه؛ لأنّ الخلق عياله وعبيده، ومن أطعم عيال غيره فكأنما أطعمه. ويؤيده خبر: إنّ الله تعالى يقول يوم القيامة:"يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني"أي: استطعمتك عبدي فلم تطعمه، انتهى من"فتح الرحمن". انتهى انتهى {حدائق الروح والريحان، لمحمد الأمين الهرري} ...