{وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (38) }
قوله: {وَفِى موسى} معطوف على قوله: {فيها} بإعادة الخافض، والتقدير: وتركنا في قصة موسى آية، أو معطوف على {وَفِى الأرض} والتقدير: وفي الأرض، وفي موسى آيات، قاله الفراء، وابن عطية، والزمخشري.
قال أبو حيان: وهو بعيد جداً ينزّه القرآن عن مثله، ويجوز أن يكون متعلقاً بجعلنا مقدّراً لدلالة وتركنا عليه قيل: ويجوز أن يعطف على {وَتَرَكْنَا} على طريقة قول القائل:
علفتها تبناً وماء بارداً ... والتقدير: وتركنا فيها آية، وجعلنا في موسى آية.
قال أبو حيان: ولا حاجة إلى إضمار، وجعلنا لأنه قد أمكن أن يكون العامل في المجرور وتركنا.
والوجه الأوّل هو الأولى، وما عداه متكلف متعسف لم تلجئ إليه حاجة، ولا دعت إليه ضرورة {إِذْ أرسلناه إلى فِرْعَوْنَ بسلطان مُّبِينٍ} الظرف متعلق بمحذوف هو نعت لآية، أي: كائنة وقت أرسلناه، أو بآية نفسها، والأوّل أولى.
والسلطان المبين: الحجة الظاهرة الواضحة، وهي العصا، وما معها من الآيات {فتولى بِرُكْنِهِ} التولي: الإعراض، والركن: الجانب، قاله الأخفش.
والمعنى: أعرض بجانبه، كما في قوله: {أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ} [الإسراء: 83] قال الجوهري: ركن الشيء: جانبه الأقوى، وهو يأوي إلى ركن شديد، أي: عزّ ومنعة.
وقال ابن زيد، ومجاهد، وغيرهما: الركن: جمعه وجنوده الذين كان يتقوّى بهم، ومنه قوله تعالى: {أَوْ آوِى إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ} [هود: 80] أي: عشيرة ومنعة، وقيل: الركن: نفس القوّة، وبه قال قتادة وغيره، ومنه قول عنترة:
فما أوهى مراس الحرب ركني ... ولكن ما تقادم من زماني