{أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ} .
إضراب انتقالي إلى إبطال ضرب آخر من شبهتهم في إنكارهم البعث، وقد علمت في أول السورة أن من أغراضها إثبات البعث والجزاءِ على أن ما جاء بعده من وصف يوم الجزاء وحال أهله قد اقتضته مناسبات نشأت عنها تلك التفاصيل، فإذْ وُفّي حقُّ ما اقتضته تلك المناسبات ثُنِي عِنان الكلام إلى الاستدلال على إمكان البعث وإبطال شبهتهم التي تعللوا بها من نحو قولهم: {أإذا كنا عظاماً ورفاتاً إنا لمبعوثون خلقاً جديداً} [الإسراء: 49] .
فكان قوله تعالى: {أم خلقوا من غير شيء} الآيات أدلةً على أن ما خلقه الله من بَدْء الخلق أعظم من إعادة خلق الإِنسان.
وهذا متصل بقوله آنفاً {إن عذاب ربك لواقع} [الطور: 7] لأن شبهتهم المقصود ردها بقوله: {إن عذاب ربك لواقع هي قولهم: أإذا كنا عظاماً ورفاتاً إنا لمبعوثون} [الإسراء: 49] ، ونحو ذلك.
فحرف (مِن) في قوله: {من غير شيء} يجوز أن يكون للابتداء، فيكون معنى الاستفهام المقدر بعد (أم) تقريرياً.
والمعنى: أيقرُّون أنهم خلقوا بعد أن كانوا عَدماً فكلما خلقوا من عدم في نشأتهم الأولى يُنْشأون من عدم في النشأة الآخرة، وذلك إثبات لإِمكان البعث، فيكون في معنى قوله تعالى: {فلينظر الإنسان ممَّ خلق خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب إنه على رجعه لقادر} [الطارق: 5 8] وقوله: {كما بدأنا أول خلق نعيده} [الأنبياء: 104] ونحو ذلك من الآيات.
ومعنى {شيء} على هذا الوجه: الموجودُ فغير شَيء: المعدومُ، والمعنى: اخُلقوا من عدم.