(فصل: في المواعظ والرقائق)
قال ابن الجوزي:
{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) }
واعجباً من موجود لا يفهم معنى الوجود، فإن فهم لم يعمل بمقتضى فهمه.
يعلم أن العمر قصير، وهو يضيعه بالنوم والبطالة والحديث الفارغ وطلب اللذات، وإنما أيامه أيام عمل لا زمان فراغ.
وقد كلف ببذل المال ومخالفة الطبع من الشرع فبخل به إلى أن يتضايق الخناق، فيقول حينئذ: فرقوا عني بعد موتي وافعلوا كذا.
فأين يقع هذا لو فعل، وبعيد أن يفعل، وإنما يراد بإنفاقك في صحتك مخالفة الطبع في تكلف مشاق الإخراج في زمن السلامة.
فافرق بين الحالتين إن كان لك فهم.
فالسعيد من انتبه لنفسه وعمل بمقتضى عقله، واغتنم زمناً نهايته الزمن وانتهب عمراً يا قرب انقطاعه.
ويحك ما تصنع بإدخال مال لا يؤثر حسنة في صحيفة ولا مكرمة في تاريخ.
أما سمعت بإنفاق أبي بكر وبخل ثعلبة؟.
أما رأيت تأثير مدح حاتم وبخل الحباحب؟.
ويحك لو ابتلاك في مالك لاستغثت أو في بدنك ليلة بمرض لشكوت.
فأنت تستوفي مطلوباتك منه، ولا تستوفي في حقه عليك {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ} .
ولتعلم أن هذا القدر المفرط فيه يحل الخلود الدائم في ثواب العمل فيه.
فسبحان من من على أقوام فهموا المراد فأتعبوا الأجساد، وغطى على أقوام فهموا المراد فأتعبوا الأجساد، وغطى على قلوب آخرين فوجودهم كالعدم.
وكيف لا يتعب العاقل بدنه إتعاب البدن والمقصود منى.
أترى ما بال الحق متجلياً في إيجادك أيها العبد! بلى، والله إن وجودك دليل وجوده.
وإن نعمه عليك دليل جوده.
فكما قدمك على سائر الحيوانات، فقدمه في قلبك على كل المطلوبات.
وا خيبة من جهله، وا فقر من أعرض منه، وا ذل من اعتز بغيره، وا حسرة من اشتغل بغير خدمته. انتهى انتهى {جامع المواعظ والرقائق، لابن الجوزي} ...