فصل فِي أسرار ترتيب سور القرآن
قال الإمام أبو جعفر ابن الزبير:
سورة الطور
لما توعد تعالى كفار قريش ومن كان على طريقتهم من سائر من كذب
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه سيصيبهم ما أصاب غيرهم من مكذبي الأمم المنبه على ذكرهم في السورة قبل، ثم أشار سبحانه إلى عظيم ما ينالهم من الخزي وأليم العذاب بقوله: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ(60)
أقسم سبحانه على صحة ذلك ووقوعه والعياذ بالله سبحانه من سخطه وأليم
عذابه فقال تعالى:"والطور"إلى قوله:"إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع"
ثم أومأ سبحانه إلى مستحقيه ومستوجبه فقال"فويل يومئذ للمكذبين"
ثم ذكرما يعنفون به ويوبخون على ما سلف منهم من نسبته عليه
السلام إلى السحر وتكذيبه فقال: (هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ(14)
أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (15)
ثم أعقب بذكره حال المومنين المستجيبين، ثم ذكر إثر إعلامه بحال الفريقين نعمته على نبيه عليه
السلام وعصمته ووقايته مما تقوله المفترون فقال تعالى: (فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ(29) .
ثم جرت الآي على توبيخهم في مقالاتهم ووهن انتقالاتهم، فمرة يقولون
كاهن، ومرة يقولون مجنون، ومرة يقولون شاعر نترقب موته، فوبخهم على ذلك كله وبين كذبهم وأزعامهم وأسقط ما بأيديهم بقوله: (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ(34)
وهذا هو المسقط لما تقولوه أولا وآخر، وهو الذي يجدوا عنه جوابا، ورضوا بالسيف والجلاء ولم يتعرضوا لتعاطي معارضته، وهذا هو الوارد في قوله تعالى في سورة البقرة:"وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا ..."
فما نطقوا في جوابه ببنت شفة"قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ".
فتبارك من جعله آية باهرة وحجة قاهرة. انتهى انتهى. {البرهان فِي تناسب سور القرآن صـ 317 - 318} .