29 -والفاء في قوله: {فَذَكِّرْ} فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدّر تقديره: إذا عرفت يا محمد أن في الوجود قوما يخافون الله سبحانه، ويشفقون في أهليهم، وأردت بيان ما هو اللازم لك فأقول لك: أثبت ودم على ما أنت عليه من تذكير المشركين بما أنزل إليك من الآيات والذكر الحكيم، ولا تكثرت بحسب يقولون مما لا خير فيه من الأباطيل.
{فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ} ؛ أي: بسبب إنعام الله عليك بالنبوّة، ورجاحة العقل {بِكَاهِنٍ} ؛ أي: بمخبر عن المغيبات بلا وحي. {وَلَا مَجْنُونٍ} ؛ أي: ولا زائل عقل، ولا فاسده. والباء متعلقة بمحذوف هو حال؛ أي: ما أنت متلبّسًا بنعمة ربك التي أنعم بها عليك من رجاحة العقل بكاهن ولا مجنون. وقيل: متعلقة بمحذوف يدل عليه الكلام؛ أي: ما أنت في حال إذكارك بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون. وقيل: الباء سببية متعلقة بمضمون الجملة المنفية.
والمعنى: انتفى عنك الكهانة والجنون بسبب نعمة الله عليك. كما تقول: ما أنا بمعسر بحمد الله. وقيل: الباء للقسم متوسطة بين اسم {ما} وخبرها. والتقدير: ما أنت ونعمة الله بكاهن ولا مجنون. والكاهن: هو الذي يوهم أنه يعلم الغيب من دون وحي؛ أي: ليس ما تقوله كهانة. فإنك إنما تنطق بالوحي الذي أمرك الله بإبلاغه. والمقصود من الآية: ردّ ما يقوله المشركون: إنه كاهن أو مجنون.
والمعنى: أي فذكر أيها الرسول من أرسلت إليهم من قومك وغيرهم، وعظهم بالآيات والذكر الحكيم، ولا تكثرت بما يقولون فيك من الأكاذيب. وقد انتفت عنك الكهانة والجنون بسبب نعمة الله عليك. والمقصود بذلك: الرد على القائلين بذلك، وإبطاله. فإن ما أوتيته من رجاحة العقل، وعلو الهمة، وكرم الفعال، وصدق النبوّة لكاف جد الكفاية في دحض هذا، وأشباهه. وممن قال: إنه كاهن: شيبة بن ربيعة. وممن قال: إنه مجنون: عقبة بن أبي معيط.