(فصل آخر: من روائع الأدب العربي)
الفصل الثاني فيما جاء في الترخيص في المزاح والبسط والتنعم
قال الأبشيهي:
لا بأس بالمزاح ما لم يكن سفها، والله تعالى وعد في اللمم بالتجاوز والعفو فقال: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ}
وقيل: إن يحيى بن زكريا لقي عيسى عليه الصلاة والسلام فقال: مالي أراك لاهيا كأنك آمن، فقال له عيسى: مالي أراك عابسا كأنك آيس، فقال: لا تبرح حتى ينزل علينا الوحي، فأوحى الله إليهما أن أحبكما إليّ أحسنكما ظنا بي. ويروى إن أحبكما إلي الطلق البسام.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لجارية:
خلقني خالق الخير وخلقك خالق الشر، فبكت الجارية.
فقال عمر: لا بأس عليك، فإن الله خالق الخير والشر.
قال الشاعر:
إنّ الصديق يريد بسطك مازحا ... فإذا رأى منك الملالة يقصر
وترى العدو إذا تيقّن أنّه ... يؤذيك بالمزح العنيف يكثّر
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمزح ولا يقول إلا حقا، فمن مزحه صلى الله عليه وسلم أنه جاء رجل، فقال: يا رسول الله احملني على جمل، فقال عليه الصلاة والسلام: لا أحملك إلا على ولد الناقة، فقال: يا رسول الله، إنه لا يطيقني. فقال له الناس: ويحك. وهل الجمل إلا ولد الناقة؟
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لامرأة من الأنصار: الحقي زوجك ففي عينيه بياض، فسعت إلى زوجها مرعوبة، فقال لها:
ما دهاك؟ قالت إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لي إن في عينيك بياضا، فقال: نعم والله وسوادا. وأتته أيضا عجوز أنصارية، فقالت: يا رسول الله، أدع الله لي أن يدخلني الجنة، فقال لها: يا أم فلان إن الجنة لا يدخلها عجوز، فولت المرأة تبكي، فتبسم صلى الله عليه وسلم وقال لها: أما قرأت قوله تعالى: {إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً 35 فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً 36 عُرُباً أَتْراباً 37}
وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: سابقت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبقته، فلما كثر لحمي سابقته، فسبقني،
فضرب بكتفي، وقال: هذه بتلك، وعنها أيضا قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل وأنا ألعب مع صويحباتي ولا يعيب علي.