وقال القاضي عبد الجبار الهمذاني (المعتزلي) :
سورة القمر
[مسألة]
وربما قيل كيف يصح قوله (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) ولو كان قد انشق القمر على الحقيقة لنقل ذلك نقلا ظاهرا؟ وجوابنا ان في العلماء من يقول المراد به وانشق القمر في الساعة لأنه عند السابق ينشق القمر إلى غير ذلك من الشرائط لكن الصحيح ما قاله مشايخنا من أنه في أيام رسول الله صلّى الله عليه وسلم انشق القمر وهو ظاهر القرآن فإذا كان قد انشق بالمدينة أو بمكة وفي سائر الأماكن غيوم تحجب عن رؤية ذلك وكان أهل ذلك البلد في غفلة عنه إلا طبقة مخصوصة فليس من الواجب نقل ذلك بالتواتر بل يجوز ان ينقله الآحاد وقد نقل ابن مسعود وغيره هذا كما نقل رد الشمس في أيام الرسول صلّى الله عليه وسلم فلم يجب في نقله الظهور لأن ذلك ظهر آخر النهار لقوم مخصوصين. وقوله (وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا) على وجه الذم يدل على ان ذلك قد كان. وقوله من بعد (تَجْرِي بِأَعْيُنِنا) الجواب فيه ما قدمنا من قبل. وما كرره الله من قوله (فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) يدل على انه تعالى يكرر هذه الأمور لكي يعتبر الناس بها وأنه تعالى أراد من جميعهم الادّكار لا تركه على ما يقوله من خالفنا وقوله تعالى من بعد (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ) لا يدل على ما يقوله مخالفنا وذلك لأنه تعالى قال(يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ
بِقَدَرٍ)يعني في الآخرة في معاقبة أهل النار لأنه تعالى يعاقب كل أحد بقدر استحقاقه ولذلك قال بعده (وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) وذلك لا يليق إلا بالآخرة التي لا يقع فيها من أحد مخالفة لله تعالى. وقوله (وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ) يدل على ان كل ذلك يكتبه الحفظة ثمّ يقع التمييز عند المحاسبة ويحتمل ان يريد ان ذلك مكتوب في اللوح المحفوظ كما كتب تعالى الآجال والأرزاق. انتهى انتهى. {تنزيه القرآن عن المطاعن / للقاضي عبد الجبار (المعتزلي) صـ 407 - 408} .