ومن لطائف ونكات تفسير الزمخشري:
سورة القمر
(كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ(9)
«فإن قلت» : ما معنى قوله تعالى (فَكَذَّبُوا) بعد قوله (كَذَّبَتْ) «1» ؟
قلت: معناه: كذبوا فكذبوا عبدنا أي: كذبوه تكذيبا على عقب تكذيب، كلما مضى منهم قرن مكذب تبعه قرن مكذب.
أو كذبت قوم نوح الرسل فكذبوا عبدنا، أي: لما كانوا مكذبين بالرسل جاحدين للنبوّة رأسا: كذبوا نوحا، لأنه من جملة الرسل.
(1) قال محمود: «إن قلت: ما فائدة كذبوا بعد قوله (كذبت قبلهم قوم نوح ...) الخ؟
قال أحمد: قد تقدم كلامه على قوله تعالى (وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي) وأجاب عنه بجوابين، أحدهما متعذر هاهنا، والآخر: ممكن وهو أن ذلك كقول القائل: أقدم فلان على الكفر فكفر بمحمد عليه الصلاة والسلام، وقد مضى لي جوابان، أحدهما: يمكن إجراؤه هنا، وحاصله منع ورود السؤال، لأن الأول مطلق والثاني مقيد، فليس تكرارا. وهو كقوله في هذه السورة فَتَعاطى فَعَقَرَ فإن تعاطيه هو نفس عقره، ولكن ذكره من جهة عمومه، ثم من ناحية خصوصه إسهابا، وهو بمثابة ذكره مرتين، وجواب آخر هنا: وهو أن المكذب أولا محذوف دل عليه ذكر نوح، فكأنه قال: كذبت قوم نوح نوحا، ثم جاء بتكذيبهم ثانيا مضافا إلى قوله (عَبْدَنا) فوصف نوحا بخصوص العبودية، وأضافه إليه إضافة تشريف، فالتكذيب المخبر عنه ثانيا أبشع عليهم من المذكور أولا لتلك اللمحة، والله أعلم.