فصل في استدراكات وتعليقات على تفسير الثعلبي
قال الإمامُ ابن المظفَّر الرازي:
سورة النجم
209 -قال في قوله تعالى: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى(8) :
"دنا الرب من محمد"، ثم
قال:"دنو اللَّه بالرتبة والمنزلة وإجابة الدعوة وإعطاء المُنيَة لا بالمكان"
والمسافة"."
قلت: فإذاً لا فرق بين المعراج والأرض، ويين محمد وغيره من الناس، فلا
معنى لقوله: (ثُمَّ دَنَا) وقد كان حاصلاً قبله على ما قال.
210 -قال في قوله تعالى: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى(11) :
"أي ما كَذبَ فؤادُ"
محمد الذي رأى بل صدق، ومجازه: ما كذب الفؤاد فيما رأى"."
قلت: لو اقتصرنا على هذا القدر لا يتضح المعنى، فنقول: تحقيقه أن
حقيقة الكذب والصدق إنما يكون باللسان، ثم إذا أضيف إلى شيء آخر يُرادُ به
المعنى الذي يختص به، وحقيقته كما يقال: صبح صادق، وصبح كاذب،
وشهوة صادقة وكاذبة، ومحبة صادقة وكاذبة. فها هنا نفى الكذب عن الفؤاد
فيثبت ضده وهو الصدق، وصدق الفؤاد علمه ويقينه، وهو المعنى الذي
يختص بالفؤاد وحقيقته فكأنه فال: علم محمد ما رآه وتيقنه ولم يشك في شيء
من ذلك. والله أعلبم.
211 -قال:"رأى عمر وكأنه دخل الجنة وفيها قِبَابٌ لذي الكلاع،"
وقد قُتل مع معاوية، قال: فاعتق ذو الكلاع اثني عشر ألف
قلت: كيف أعتق وإنه كان مقتولاً؟
212 -قال في قوله تعالى: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى(55) :
"تشك وتجادل".
قلت: لو اقتصرنا على هذا القدر كان لقائل أن يقول: لا يُقال تماري به.
وإنما يقال: تماري فيه. قال الله تعالى: (فَلَا تُمَارِ فِيهِم) . وإنما يقال: كذب به.
فالجواب: أنه يجوز أن تكون (الباء) بمعنى (في) وحروف الصفات قد يقوم بعضها
مقام البعض، ويجوز أن يكون مفعوله مضمراً، ويكون الباء للسببية تقديره: بسبب
[ ... ] تجادل في الدين والنبي والقرآن، نعني لا ينبغي أن تجادل أو تشك مع
هذه النعم في الدين كما يقال: بأي إحساني إليك جفوتني. والله أعلم.
ويجوز أن يكون (تَتَمَارَى) ههنا بمعنى تكذب كقوله: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) قال الله تعالى: (فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ) يعني: فكذبوا بإنذار لوط
شكًّا منهم وهو تفاعل من المزيد. انتهى انتهى. {مباحث التفسير / لابن المظفَّر صـ 292 - 295} .