ومن لطائف ونكات تفسير ابن عجيبة:
سورة القمر
(كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ(9)
ومعنى تكرار التكذيب: أنهم كذَّبوا تكذيباً عقب تكذيب، كلما خلا منهم قرن مكذِّب، جاء عقبه قرن آخر مكذِّب مثله.
وقيل: كذبت قوم نوح الرسل.
(فكذَّبوا عبدنا) لأنه من جملتهم. وفي ذكره عليه السلام بعنوان العبودية مع إضافته لنون العظمة تفخيم له عليه السلام ورفع لمحله، وزيادة تشنيع لمكذِّبيه، (وَقالُوا مَجْنُونٌ) أي: لم يقتصروا على مجرد التكذيب، بل نسبوه للجنون.
(كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ(18)
والاستفهام لتوجيه قلوب السامعين للإصغاء إلى ما يُلقى إليهم قبل ذكره لتهويله وتعظيمه، وتعجيبهم من حاله قبل بيانه، كما قبله وما بعده، كأنه قيل: كذبت عاد فهل سمعتم ما حلّ بهم؟ أو: فاسمعوا، فكيف كان عذابي وإنذاري لهم.
(تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ(20)
أي: أصول نخل منقلع من مغارسه، وشُبِّهوا بأعجاز النخلة، وهي أصولها التي قطعت رءوسها لأنّ الريح كانت تقطع رءوسهم، فتبقى أجساداً بلا رءوس، فيتساقطون على الأرض أمواتاً، وهم جثث طوال.
وتذكير صفة النخل بالنظر إلى اللفظ، كما أن تأنيثه في قوله تعالى: (أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ) بالنظر للمعنى.
(فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ(21)
تهويل وتعجيب من أمرهما بعد بيانهما، فليس فيه شائبة تكرار.
وما قيل: من أن الأول لِما حاق بهم في الدنيا، والثاني لِما يحيق بهم في الآخرة، يرده ترتيب الثاني على العذاب الدنيوي.
(وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ(22)
وفي تكريره بعد كل قصة تنبيه على أن إيراد قصص الأمم إنما هو للوعظ والتذكار، وللانزجار عن مثل فعلهم، لا لمجرد السماع والتلذُّذ بأخبارهم، كما هي عادة القصاص.