ومن لطائف ونكات التفسير الوسيط لطنطاوي:
سورة القمر
(كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ(9)
قال صاحب الكشاف:
«فإن قلت» : ما معنى قوله: {فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا} بعد قوله: {كُذِّبَتْ} ؟
قلت معناه: كذبوا فكذبوا عبدنا. أي: كذبوه تكذيبا على عقب تكذيب، كلما مضى منهم قرن مكذب، تبعهم قرن مكذب.
أو معناه: كذبت قوم نوح الرسل، فكذبوا عبدنا، أي: لما كانوا مكذبين بالرسل، جاحدين للنبوة رأسا، كذبوا نوحا لأنه من جملة الرسل.
وقوله - سبحانه -: {وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وازدجر} بيان لما كانوا عليه من انطماس بصيرة، ومن سوء خلق... أي: أنهم لم يكتفوا بتكذيب نبيهم ومرشدهم وهاديهم إلى الخير. بل أضافوا إلى ذلك وصفه بالجنون، والاعتداء عليه بأنواع الأذى والترهيب.
فقوله: {وازدجر} معطوف على قوله {قَالُواْ} وهو مأخوذ من الزجر بمعنى المنع والتخويف، وصيغة الافتعال للمبالغة في زجره وإيذائه.
(فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ(39) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (40)
قال صاحب الكشاف:
«فإن قلت» : ما فائدة تكرير قوله: {فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرآن لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ} ؟
قلت: فائدته أن يجددوا عند استماع كل نبأ من أنباء الأولين ادكارا واتعاظا، وأن يستأنفوا تنبها واستيقاظا إذا سمعوا الحث على ذلك والبعث عليه، وأن يقرع لهم العصا مرات، ويقعقع لهم الشن تارات لئلا يغلبهم السهو، ولا تستولى عليهم الغفلة، وهذا حكم التكرير، كقوله: {فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} عند كل نعمة عدها في سورة الرحمن.
وكقوله: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} عند كل آية أوردها في سورة المرسلات، وكذلك تكرير الأنباء والقصص في أنفسها، لتكون تلك العبر حاضرة للقلوب، مصورة للأذهان، مذكورة غير منسية في كل أوان. انتهى انتهى {التفسير الوسيط، لـ طنطاوي} ...