وقال الدكتور/ محمد حسين الصغير:
سورة القمر
{اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) }
ب {يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْراً 9 وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْراً 10} .
ج {إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ 1 وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ 2} .
د {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ 10} .
وواضح أن الساعة لا تقترب تلقائيا، وأن القمر لا ينشق ذاتيا، وأن السماء لا تمور إراديا، وأن الجبال لا تسير اختياريا، وأن السماء أيضا لا تنفطر من نفسها، وأن الكواكب لا تنتثر بحالها، وأن السماء لا تأتي بدخان مبين بإرادتها. وإنما أضيف لها الفعل لتضخيم الحدث، وليتجه التفكير نحوه، فالفاعل الحقيقي هو غير ما أسند إليه الفعل، فالساعة تقترب حتما، والقمر ينشق قطعا، والسماء تمور وتنفطر وتأتي بالدخان مسخرة، والجبال تسير لا شك في هذا، والكواكب تنتثر من تلقاء نفسها، ولا يحتاج كل هذا إلى كبير أمر، فقد سخرها ربها لتلقي الحدث فهي صاحبته في مناخ قاهر لا عهد لها به، فتتطوع بهذه الأفعال بذاتيتها دون التلويح إلى الفاعل الحقيقي.
ومما يؤسف له حقا أن ينشغل أكثر المفسرين عن هذا الملحظ
الدقيق، وهذه الظاهرة الأسولبية النموذجية إلى الخوض في تفصيلات الفاعل، وتأويل صدور الفعل عنه.
تقول الدكتورة عائشة عبد الرحمن، ونحن نوافقها في هذا العرض، لأنه من صميم منهجنا البياني:
«وقد شغل أكثر المفسرين والبلاغيين بتأويل الفاعل، عن الالتفات إلى اضطراد هذه الظاهرة الأسلوبية في هذا الموقف، مع وضوحها إلى درجة العمد والإصرار: وسرّها البياني دقيق جليل: فاطراد إسناد الحدث إلى غير محدثه، بالبناء للمجهول، أو الإسناد المجازي، أو المطاوعة، يدل على التلقائية التي يكون بها الكون كله مهيئا للحدث الخطير، وأن الكائنات مسخرة بقوة لذلك الحدث، فما تحتاج فيها إلى أمر، ولا إلى فاعل وفيه كذلك، تركيز الانتباه في الحدث ذاته، وحصر الوعي فيه، فلا يتوزع في غيره» .
{فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) }
يقول الشريف الرضي (المراد والله أعلم بتفتيح أبواب السماء تسهيل سبل الأمطار حتى لا يحبسها حابس، ولا يلفتها لافت. ومفهوم ذلك إزالة العوائق عن مجاري العيون من السماء، حتى تصير بمنزلة حبيس فتح عنه باب، أو معقول أطلق عنه عقال. وقوله {فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} أي: اختلط ماء الأمطار المنهمرة، بماء العيون المتفجرة، فالتقى ماءاهما على ما قدره الله سبحانه، من غير زيادة ولا نقصان. وهذا من أفصح الكلام، وأوقع العبارات عن هذه الحال». انتهى انتهى {مجاز القرآن، للدكتور/ محمد حسين الصغير} ...