ومن لطائف ونكات تأويل مشكل القرآن للدينوري
سورة الرحمن
(فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ(13)
وأما تكرار (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) فإنه عدّد في هذه السورة نعماءه، وأذكر عباده آلاءه، ونبههم على قدرته ولطفه بخلفه، ثم أتبع ذكر كل خلّة وصفها بهذه الآية، وجعلها فاصلة بين كل نعمتين، ليفهّمهم النّعم ويقرّرهم بها، وهذا كقولك للرجل أجل أحسنت إليه دهرك وتابعت عنده الأيادي، وهو في ذلك ينكرك ويكفرك: ألم أبوّئك منزلا وأنت طريد؟ أفتنكر هذا؟ و: ألم أحملك وأنت راجل؟ ألم أحج بك وأنت صرورة؟ أفتنكر هذا؟
(فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ(39)
وقالوا: وهل التناقض إلا مثل قوله: (فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ) وهو يقول في موضع آخر: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (93) [سورة الحجر: 92، 93] .
ومثل قوله: (هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ(35) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (36) [سورة المرسلات: 35، 36] .
ويقول في موضع آخر: (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ(31) [سورة الزمر: 31] .
ويقول: (هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) [سورة البقرة: 111] .
ومثل قوله: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ(25) [سورة الطور: 25، والصافات: 27] .
وهو يقول في موضع آخر: فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ) [سورة المؤمنون: 101] .
قال أبو محمد: عبد الله بن مسلم بن قتيبة:
فأما ما نخلوه من التناقض في مثل قوله تعالى: (فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ) وهو يقول في موضع آخر: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (93) .