قوله - عَزَّ وَجَلَّ: (الرَّحْمَنُ(1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) قد عرفت العرب وعلمت أن"الرحمن"على ميزان"فعلان"، مشتق من الرحمة، لكن أحدا من الخلائق لا يبلغ في الرحمة مبلغا يستحق تسميته به: رحمانا؛ لذلك خص اللَّه تعالى نفسه بتسميته: الرحمن، وإن كان مشتقًّا من الرحمة؛ كالرحيم، وجاز تسمية غيره: رحيما، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ: (عَلَّمَ الْقُرْآنَ) ، ذكر أن الرحمن علم القرآن، ولم يذكر لمن علمه؛ فجاز أن يكون المراد منه: أنه - تبارك وتعالى - علم القرآن رسولنا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -.
ثم يخرج ذلك على وجوه:
أحدها: أنه جبريل - عليه السلام - حيث قال: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى. ذُو مِرَّةٍ) ، لكن خرجت الإضافة إلى اللَّه تعالى؛ لما أنه علمه بأمره.
والثاني: أضاف التعليم إلى نفسه؛ لما أنه هو الذي أثبته في قلبه حتى لا ينساه؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ: (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى) ، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ(16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ)، وقوله: (كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ) .
والثالث: أضاف إلى نفسه، وإن علمه جبريل - عليه السلام - لأنه هو الخالق لفعل التعليم من جبريل، عليه السلام.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (خَلَقَ الْإِنْسَانَ(3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) .
قَالَ بَعْضُهُمْ: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ) . أي: آدم عليه السلام، و (عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) . أي: الأسماء التي ذكر في آية أخرى، (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ) ؛ إذ لا سبيل إلى معرفة الأسماء إلا بالتلقين، ليس كالأشياء التي تعرف وتدرك بالاستدلال.