(فصل)
قال الراغب الأصفهاني:
(الباب العشرون في أن من لم يختص بالشرع وعبادة الله فليس بإنسان)
لما كان الإنسان إنما يصير إنساناً بالعقل، ولو توهمنا العقل مرتفعاً عنه لخرج عن كونه إنساناً، ولم يكن إذا تخطينا الشبح الماثل إلاّ بهيمة مهملة أو صورة ممثلة.
والعقل لن يكمل بل لا يكون عقلاً إلا بعد اهتدائه بالشرع كما تقدم ولذلك نفي العقل عن الكفار لما تعرّوا عن الهداية بالشرع في غير موضع من كتابه، والاهتداء بالشرع هو عبادة الله تعالى. فالإنسان إذاً في الحقيقة هو الذي يعبد الله ولذلك خُلقَ كما قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ * مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ} .
وكما قال تعالى: {وَمَآ أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} فكلُّ ما أُوجد لفعل فمتى لم يوجد منه ذلك الفعل كان في حكم المعدوم، ولذلك كثيراً ما يسلب عن الشيءِ اسمه إذا وجد فعله ناقصاً، كقولهم للفرس الرديء: ليس هذا بفرس وللإنسان ليس هذا بإنسان. ويقال: فلان لا عين له ولا أُذن له إذا بطل فعل عينه وأُذنه وإن كان شبحهما باقياً، وعلى هذا قال تعالى: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} . فيمن لم ينتفع بهذه الأعضاء فالإنسان يحصل له من الإنسانية بقدر ما يحصل له من العبادة التي لأجلها خُلق، فمن قام بالعبادة حق القيام فقد استكمل الإنسانية، ومن رفضها فقد انسلخ من الإنسانية فصار حيوانا أو دون الحيوان كما قال الله تعالى في وصف الكفار: {إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً} . وقال: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} .