ومن لطائف ونكات تفسير القرطبي:
سُورَةُ الرَّحْمَنِ
(وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ)
أَيِ افْعَلُوهُ مُسْتَقِيمًا بِالْعَدْلِ.
وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَقِيمُوا لِسَانَ الْمِيزَانِ بِالْقِسْطِ وَالْعَدْلِ.
وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: الْإِقَامَةُ بِالْيَدِ وَالْقِسْطُ بِالْقَلْبِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْقِسْطُ الْعَدْلُ بِالرُّومِيَّةِ.
وَقِيلَ: هُوَ كَقَوْلِكَ أَقَامَ الصَّلَاةَ أَيْ أَتَى بِهَا فِي وَقْتِهَا، وَأَقَامَ النَّاسُ أَسْوَاقَهُمْ أَيْ أَتَوْهَا لِوَقْتِهَا.
أَيْ لَا تَدَعُوا التَّعَامُلَ بِالْوَزْنِ بِالْعَدْلِ.
(وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ) وَلَا تَنْقُصُوا الْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا الْكَيْلَ وَالْوَزْنَ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ: (وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ) .
وَقَالَ قَتَادَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: اعْدِلْ يَا بن آدَمَ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُعْدَلَ لَكَ، وَأَوْفِ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُوفَى لَكَ، فَإِنَّ الْعَدْلَ صَلَاحُ النَّاسِ.
وَقِيلَ: الْمَعْنَى وَلَا تُخْسِرُوا مِيزَانَ حَسَنَاتِكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَكُونَ ذَلِكَ حَسْرَةً عَلَيْكُمْ.
وَكَرَّرَ الْمِيزَانَ لِحَالِ رُءُوسِ الْآيِ.
وَقِيلَ: التَّكْرِيرُ لِلْأَمْرِ بِإِيفَاءِ الْوَزْنِ وَرِعَايَةِ الْعَدْلِ فِيهِ.
(كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ(26) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (27)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ)
الضَّمِيرُ فِي (عَلَيْها) لِلْأَرْضِ، وَقَدْ جَرَى ذِكْرُهَا فِي أَوَّلِ السُّورَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ) وَقَدْ يُقَالُ: هُوَ أَكْرَمُ مَنْ عَلَيْهَا،
يَعْنُونَ الْأَرْضَ وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهَا ذِكْرٌ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ هَلَكَ أَهْلُ الْأَرْضِ فَنَزَلَتْ: (كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) فَأَيْقَنَتِ الْمَلَائِكَةُ بِالْهَلَاكِ، وَقَالَهُ مُقَاتِلٌ.
وَوَجْهُ النِّعْمَةِ فِي فَنَاءِ الْخَلْقِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ فِي الْمَوْتِ، وَمَعَ الْمَوْتِ تَسْتَوِي الْأَقْدَامُ.
وَقِيلَ: وَجْهُ النِّعْمَةِ أَنَّ الْمَوْتَ سَبَبُ النَّقْلِ إِلَى دَارِ الْجَزَاءِ وَالثَّوَابِ.