[من روائع الأبحاث]
(القيمة الصوتية للفاصلة القرآنية)
لأحد الباحثين
(مقدمة)
لقد اتسم القرآن بنظام صوتي معجز، اتسقت فيه حركاته وسكناته، مداته وغناته، واتصالاته وسكتاته اتساقا رائعا يسترعي الأسماع، ويستهوي النفوس، ويبهر الألباب، ويستولي على الأحاسيس والمشاعر بطريقة عجيبة تفوق كل كلام منثور ومنظوم، يقول المرحوم الأستاذ سيد قطب:"على أن النسق القرآنيقد جمع بين مزايا الشعر والنثر جميعاً، فقد أعفى التعبير من قيود القافية الموحدة والتفعيلات التامة، فنال بذلك حرية التعبير الكاملة عن جميع أغراضه العامة، وأخذ في الوقت ذاته من خصائص الشعر الموسيقى الداخيلة، والفواصل المتقاربة فيالوزن التي تُغنى عن التفاعيل، والتقفية التي تُغني عن القوافي، وضم ذلك إلى الخصائص التي ذكرنا فجمع النثر والنظم جميعاً"، وقبل هذا قال:"إن في القرآن إيقاعا موسيقيا متعدد الأنواع، يتناسق مع الجو، ويؤدي وظيفة أساسية في البيان".
إن التنوع الصوتي في القرآن له صور شتى، وأشكال عدة تتمثل في: الإيقاع، والتنغيم، والفاصلة، والمقاطع الصوتية، وحسن التأليف، والمناسبة الصوتية، والمحسناتالصوتية.
وأنا من خلال هذا البحث سأطرح صورة واحدة من صور التنوع الصوتي ألا وهي: الفواصل أو نهايات الآيات، ومدى انسجامها مع النسق العام للمقطع، أو السورة، وأثرها على الدلالة الكلية لذلك. فما هي الفاصلة؟
الفاصلة في القرآن الكريم: آخر كلمة في الآية، تشبه القافية في الشعر، والسجع في النثر، وعند أبي عمرو الداني (ت: 444 هـ) هي آخر كلمة في الجملة، و الآية الواحدة قد تشتمل على عدة جمل. وليست الفاصلة هي آخر كلمة في الجملة، بل هي آخر كلمة في الآية؛ لأنه بها تُميَّز الآية السابقة عن اللاحقة، وعندها تقع الاستراحة بالخطاب لتحسين الكلام.
قال الباقلاني (ت:403 هـ) : «الفواصل حروف متشاكلة في المقاطع، يقع بها إفهام المعاني» ،