[من روائع الأبحاث القيمة والنفيسة]
(فصل)
من اللطائف الرائقة والنكات الفائقة في السورة الكريمة:
قال الإمام فخر الدين الرازي:
سُورَةُ الْوَاقِعَةِ
(فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ(8) وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (9)
مَا الْحِكْمَةُ فِي اخْتِيَارِ لفظ الْمَشْأَمَةِ فِي مُقَابَلَةِ الْمَيْمَنَةِ، مَعَ أَنَّهُ قَالَ فِي بَيَانِ أَحْوَالِهِمْ: (وَأَصْحابُ الشِّمالِ مَا أَصْحابُ الشِّمالِ) ؟
نَقُولُ: الْيَمِينُ وُضِعَ لِلْجَانِبِ الْمَعْرُوفِ أَوَّلًا ثُمَّ تَفَاءَلُوا بِهِ وَاسْتَعْمَلُوا مِنْهُ أَلْفَاظًا فِي مَوَاضِعَ وَقَالُوا: هَذَا مَيْمُونٌ وَقَالُوا: أَيْمِنْ بِهِ وَوَضَعُوا لِلْجَانِبِ الْمُقَابِلِ لَهُ الْيَسَارَ مِنَ الشَّيْءِ الْيَسِيرِ إِشَارَةً إِلَى ضَعْفِهِ، فَصَارَ فِي مُقَابَلَةِ الْيَمِينِ كَيْفَمَا يَدُورُ فَيُقَالُ: فِي مُقَابَلَةِ الْيُمْنَى الْيُسْرَى، وَفِي مُقَابَلَةِ الْأَيْمَنِ الْأَيْسَرُ، وَفِي مُقَابَلَةِ الْمَيْمَنَةِ الْمَيْسَرَةُ، وَلَا تُسْتَعْمَلُ الشِّمَالُ كَمَا تُسْتَعْمَلُ الْيَمِينُ، فَلَا يُقَالُ: الْأَشْمَلُ وَلَا الْمَشْمَلَةُ، وَتُسْتَعْمَلُ الْمَشْأَمَةُ كَمَا تُسْتَعْمَلُ الْمَيْمَنَةُ، فَلَا يُقَالُ: فِي مُقَابَلَةِ الْيَمِينِ لَفْظٌ مِنْ بَابِ الشُّؤْمِ، وَأَمَّا الشَّآمُ فَلَيْسَ فِي مُقَابَلَةِ الْيَمِينِ بَلْ فِي مُقَابَلَةِ يمان.
(وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ(10)
هُوَ كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ لِغَيْرِهِ أَخْبِرْنِي عَنْ حَالِ الْمَلِكِ فَيَقُولُ: لَا أَعْرِفُ مِنَ الْمَلِكِ إِلَّا أَنَّهُ مَلِكٌ فَقَوْلُهُ: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ) أَيْ لَا يُمْكِنُ الْإِخْبَارُ عَنْهُمْ إِلَّا بِنَفْسِهِمْ فَإِنَّ حَالَهُمْ وَمَا هُمْ عَلَيْهِ فَوْقَ أن يحيط به علم البشر.