قوله - جلَّ جلالُه: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ(58) .
أي: ما تقذفونه في الأرحام من منيٍّ يكون عنه الولد.
(أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ(59) . ومن قولهم: إن الله يخلق
ذلك: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) .
ثم خاطبهم من حيث انتهى إيمانهم بما هو أعظم كأنه يقول: الأمر أعظم
وأشنع من ذلك، ثم أخذ بالإخبار عن الحقيقة بقوله: (نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا
نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ) أي: ننقلكم؛ يعني: الذوات المفارقة
للأجسام عند الموت، فنجعلها في مثالات (وَنُنْشِئَكُمْ) أي: ننشئ أجسامكم في دار
البرزخ (فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ) في نبات أو شجر تأكله الأنعام
وأواكل النبات والعشب من أناسي وغيرهم، وربما أكلت السباع وهوام الأرض
وحيتان البحر لحومهم فنشأت أو أكلها من ذلك الغذاء الذي كان عن أجسامهم.
وربما أصار الأجسام بعد كونها ترابًا فأصلها في أتربة الأرض، وربما أصارها
إلى ما جاورها من أحجار الأرض ومعادنها حديدها وذهبها وفضتها وغير ذلك من
جميع فلز الأرض، كما قال - عز من قائل - حين قالوا ما قال هؤلاء:(أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا
تُرَابًا وَعِظَامًا) (وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا(49) .
فأجابهم - جلَّ جلالُه - بما فحواه: أن الأمر أجل والخطب أطم وأشنع مما أكبرتموه
بقوله: (قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا(50) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ) فإنكم
معادون مبعوثون، ثم قال من هو العالم بمقالهم:(فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي
فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ).
يقول - عز وجل: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى ...(62) . هي منذ نفخ في أحدهم
روح الحياة، ثم ما بعد ذلك نشأ وما قبل ذلك خلقه، ثم تدخل الخلقة في حال
النشء.
يقول - عز وجل: ألم تشاهدوا من أنفسكم وأبنائكم النشأة الأولى تنقلكم من صغر