[من روائع الأبحاث]
قال الشيخ محمود غريب
(أصحاب الشمال وجزاؤهم)
بعد أن بينت السورة الكريمة جزاء المقربين وأصحاب اليمين شرعت في بيان أصحاب الشمال قال تعالى:
(وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ(41) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ)
لم يأت التعبير هنا على منهج القرآن في الإيجاز، فلم يقل إنهم في النار. بهذا الإيجاز الذي تعودناه في الأسلوب القرآني ولكن قال: (فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ(42) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ)
فما سر هذا الإسهاب؟
إنَّ القرآن أتى على مواطن الراحة والبرد وهي الهواء والماء والظل.
وأخبر أنها مصادر التعذيب ليقطع عليهم كل أمل .. فالهواء سموم.
والسموم: هو الهواء السام الذي يدخل من مسام الجلد فيهلك صاحبه مع أن الناس يلتمسون الراحة في الهواء البارد.
والماء .. مصدر الحياة والراحة ومنظره يذهب الحزن ولكن الله جعله حميم ليعذبهم به: (وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ)
(وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ)
وفوق الشرب منها يصب عليهم الحميم.
(هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ(19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ)
بقى أمامهم أمل واحد لقد انعقد أملهم على الظل فتلاشى الأمل قبل وصولهم فالظل هناك: (لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ)
إنَّ ظل النار: (لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ)
(لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ)
ولذلك ينتهى كل أمل ويبقى التسليم المطلق: (يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ(10) كَلَّا لَا وَزَرَ)
ثم تذكر السورة الكريمة أسباب العذاب.