وَقَوْلُهُ: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ}
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِقَوْلِهِ: {فَلَا أُقْسِمُ} أُقْسِمُ.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ: مَعْنَى قَوْلِهِ: {فَلَا} فَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُونَ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الْقَسَمَ بَعْدُ فَقِيلَ أُقْسِمُ
وَقَوْلُهُ: {بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ}
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: فَلَا أُقْسِمُ بِمَنَازِلِ الْقُرْآنِ، وَقَالُوا: أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُجُومًا مُتَفَرِّقَةً.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «نَزَلَ الْقُرْآنُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنَ السَّمَاءِ الْعُلْيَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا جُمْلَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ فُرِّقَ فِي السِّنِينَ بَعْدُ» قَالَ: وَتَلَا ابْنُ عَبَّاسٍ هَذِهِ الْآيَةَ {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} قَالَ: «نَزَلَ مُتَفَرِّقًا»
عَنْ عِكْرِمَةَ: «إِنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ جَمِيعًا، فَوُضِعَ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ، فَجَعَلَ جِبْرِيلُ يَأْتِي بِالسُّورَةِ، وَإِنَّمَا نَزَلَ جَمِيعًا فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ»
عَنْ مُجَاهِدٍ، {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} قَالَ: «هُوَ مُحْكَمُ الْقُرْآنِ»
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} قَالَ «مُسْتَقَرُّ الْكِتَابِ أَوَّلُهُ وَآخِرُهُ»
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: فَلَا أُقْسِمُ بِمَسَاقِطِ النُّجُومِ
عَنْ مُجَاهِدٍ: {بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} قَالَ «فِي السَّمَاءِ وَيُقَالُ مَطَالِعُهَا وَمَسَاقِطُهَا»
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: بِمَنَازِلِ النُّجُومِ
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: بِانْتِثَارِ النُّجُومِ عِنْدَ قِيَامِ السَّاعَةِ
قَالَ الْحَسَنُ: «انْكِدَارُهَا وَانْتِثَارُهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ: فَلَا أُقْسِمُ بِمَسَاقِطِ النُّجُومِ وَمَغَايِبِهَا فِي السَّمَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَوَاقِعَ جَمْعُ مَوْقِعٍ، وَالْمَوْقِعُ الْمَفْعِلُ مِنْ وَقَعَ يَقَعُ مَوْقِعًا، فَالْأَغْلَبُ مِنْ مَعَانِيهِ وَالْأَظْهَرُ مِنْ تَأْوِيلِهِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ قُلْنَا: هُوَ أَوْلَى مَعَانِيهِ بِهِ