وفي قوله: {مُدْهَامَّتَانِ (64) } إشعار بأن الغالب على هاتين الجنتين النبات والرياحين المنبسطة على وجه الأرض، وعلى الأوليين الأشجار والفواكه. ودل هذا على فضل الأوليين على الأخريين.
والمعنى: أي ومن وراه هاتين الجنتين وأقل منهما فضلًا جنتان تنبتان الباب، والرياحين الخضراء التي تضرب إلى السواد من شدة خضرتها لكثرة الريّ. وأما الجنتان السابقتان ففيهما أشجار وفواكه. وفرق ما بين الجنتين.
65 -فبأيّ هذه النعم تكذّبان، وهي نعم واضحة لا تجحد، تتمتع أبصاركم بخضرة نباتات هاتين الجنتين,
وتنتفع أنوفكم بشم رياحينهما. وعن أبي أيوب الأنصاري قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قوله تعالى: {مُدْهَامَّتَانِ (64) } . قال: خضراوان، أخرجه الطبري، وابن مردويه.
قال الفقهاء: إذا قرأ في الصلاة آية واحدة هي كلمة واحدة، نحو قوله: {مُدْهَامَّتَانِ (64) } أو حرف واحد نحو {ق} و {ص} و {ن} . فإن كل حرف منها آية عند البعض. فالأصح أنه لا يجزئ عن فرض القراءة. لأنه لا يسمى قارئًا؛ لأن القراءة ضم الحروف والكلمات بعضها إلى بعض في الترتيل.
66 - {فِيهِمَا} ؛ أي: في هاتين الجنتين {عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ} ؛ أي: فوارتان بالماء، لا تنقطعان. من نضحه كمنعه رشه، ونضح الماء اشتد فورانه من ينبوعه.
قال الحسن، ومجاهد: تنضخ على أولياء الله بالمسك، والعنبر، والكافور في دور أهل الجنة، كما ينضح رش المطر. وهذا يدل أيضًا على فضل الأوليين على الأخرين. لأنه تعالى قال في الأوليين: {عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ} ، وفي الأخريين {نَضَّاخَتَانِ} . والنضخ دون الجري؛ لأن النضخ هو الفوران، وهو يتحقق بأن يكون الماء بحيث لو أخذ منه شيء فار آخر مكانه. ولا يكفي هذا القدر في جريانه. فلا شك أن الجري أبلغ منه، قال ابن عباس رضي الله عنهما: نضَّاختان بالمسك والعنبر. وقال الكلبي: بالخير والبركة.
67 - {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (67) } فإنها ليست بموضع للتكذيب، ولا بمكان لجحد، حيث يحصل لكم الريُّ من شراب تينك العينين.