ومن لطائف ونكات تفسير القرطبي:
سُورَةُ الْوَاقِعَةِ
(ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ(13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (14)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ) أَيْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ.
(وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ) أَيْ مِمَّنْ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ الْحَسَنُ: ثُلَّةٌ مِمَّنْ قَدْ مَضَى قَبْلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَقَلِيلٌ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْهُمْ بِكَرَمِكَ.
وَسُمُّوا قَلِيلًا بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ، لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ الْمُتَقَدِّمِينَ كَثُرُوا فَكَثُرَ السَّابِقُونَ إِلَى الْإِيمَانِ مِنْهُمْ، فَزَادُوا عَلَى عَدَدِ مَنْ سَبَقَ إِلَى التَّصْدِيقِ مِنْ أُمَّتِنَا.
وَقِيلَ: لَمَّا نَزَلَ هَذَا شَقَّ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ:(ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ.
وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ)فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ بَلْ ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ بَلْ نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَتُقَاسِمُونَهُمْ فِي النِّصْفِ الثَّانِي) رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَمَعْنَاهُ ثَابِتٌ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ وَالْأَشْبَهُ أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ لِأَنَّهَا خَبَرٌ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ فِي جَمَاعَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ.
قَالَ الْحَسَنُ: سَابِقُو مَنْ مَضَى أَكْثَرُ من سابقينا، فلذلك قَالَ: (وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ) وَقَالَ فِي أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَهُمْ سِوَى السَّابِقِينَ:(ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ.
وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ)وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(إِنِّي لَأَرْجُو
أَنْ تَكُونَ أُمَّتِي شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ)ثُمَّ تَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى: (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ)
قَالَ مُجَاهِدٌ: كُلٌّ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ.