ومن لطائف ونكات تفسير الخازن:
سورة الواقعة
(وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ(10) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11)
«فإنْ قلتَ» : لم أخر ذكر السابقين وكانوا أولى بالتقديم عن أصحاب اليمين؟
قلت: فيه لطيفة وذلك أن الله تعالى ذكر في أول السورة من الأمور الهائلة عند قيام الساعة تخويفا لعباده، فإما محسن فيزداد رغبة في الثواب، وإما مسيء فيرجع عن إساءته خوفا من العقاب، فلذلك قدم أصحاب اليمين ليسمعوا ويرغبوا، ثم ذكر أصحاب الشمال ليرهبوا، ثم ذكر السابقين وهم الذين لا يحزنهم الفزع الأكبر ليجتهد أصحاب اليمين في القرب منهم.
(وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ(20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (21)
«فإنْ قلتَ» : هل في تخصيص الفاكهة بالتخير واللحم بالاشتهاء بلاغة؟
قلت نعم وكيف لا وفي كل حرف من حروف القرآن بلاغة وفصاحة، والذي يظهر فيه أن اللحم والفاكهة إذا حضرا عند الجائع تميل نفسه إلى اللحم، وإذا حضرا عند الشبعان تميل نفسه إلى الفاكهة فالجائع مشته، والشبعان غير مشته، بل هو مختار، وأهل الجنة إنما يأكلون لا من جوع بل للتفكه فميلهم إلى الفاكهة أكثر فيتخيرونها، ولهذا ذكرت في مواضع كثيرة من القرآن بخلاف اللحم وإذا اشتهاه حضر بين يديه على ما يشتهيه فتميل نفسه إليه أدنى ميل، ولهذا قدم الفاكهة على اللحم، والله أعلم.
(ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ(39) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (40)
«فإنْ قلتَ» : كيف قال في الآية الأولى (وقليل من الآخرين) وقال في هذه الآية (وثلة من الآخرين) ؟
قلت: الآية الأولى في السابقين الأولين وقليل ممن يلحق بهم من الآخرين، وهذه الآية في أصحاب اليمين وهم كثيرون من الأولين والآخرين.
وحكي عن بعضهم أن هذه ناسخة للأولى واستدل بحديث عروة بن رويم ونحوه، والقول بالنسخ لا يصح لأن الكلام في الآيتين خبر والخبر لا يدخله النسخ.