قوله تعالى: {أفبهذا الحديث}
يعني القرآن {أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ} أي مكذبون؛ قاله ابن عباس وعطاء وغيرهما.
والمُدْهِن الذي ظاهره خلاف باطنه، كأنه شبِّه بالدُّهن في سهوله ظاهره.
وقال مقاتل بن سليمان وقتادة: مُدْهِنون كافرون؛ نظيره: {وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} [القلم: 9] .
وقال المؤرِّج: المدهِن المنافق أو الكافر الذي يُليِن جانبه ليُخْفِي كفره، والإدهان والمداهنة التكذيب والكفر والنفاق، وأصله اللِّين، وأن يُسِرَّ خلاف ما يظهر؛ وقال أبو قيس بن الأَسْلَت:
الحَزْمُ والْقُوَّةُ خيرٌ مِنَ ... الإدهان والفَهَّةِ والهَاعِ
وأدهن وداهن واحد.
وقال قوم: داهنت بمعنى واريت وأدهنت بمعنى غَشَشْتَ.
وقال الضحاك:"مُدْهِنُونَ"معرضون.
مجاهد: ممالئون الكفار على الكفر به.
ابن كيسان: المدهن الذي لا يعقل ما حقّ اللَّهِ عليه ويدفعه بالعلل.
وقال بعض اللغويين: مدهنون تاركون للجزم في قبول القرآن.
قوله تعالى: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} قال ابن عباس: تجعلون شكركم التكذيب.
وذكر الهيثم بن عديّ: أن من لغة أزد شنوءة ما رِزق فلان؟ أي ما شكره.
وإنما صلح أن يوضع اسم الرزق مكان شكره؛ لأن شكر الرزق يقتضي الزيادة فيه فيكون الشكر رزقاً على هذا المعنى.
فقيل: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ} أي شكر رزقكم الذي لو وجد منكم لعاد رزقاً لكم {أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} بالرزق أي تضعون الكذب مكان الشكر؛ كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ البيت إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً} [الأنفال: 35] أي لم يكونوا يُصلُّون ولكنهم كانوا يصفِّرون ويُصفِّقون مكان الصلاة.