[من روائع الأبحاث]
(فصل: من الأسرار البلاغية في السورة الكريمة)
قال الخطيب القزويني:
سورة الواقعة
{فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (29) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (30) }
قيل: وأحسن السجع ما تساوت قرائنه كقوله تعالى: {فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ، وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ، وَظِلٍّ مَمْدُودٍ} [سورة الواقعة: 2، 2، 30] . ثم ما طالت قرينته الثانية، كقوله: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} [سورة النجم: 1, 2] ، أو الثالثة، كقوله: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ، ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ} [الحاقة: 30, 31] وقول أبي الفضل الميكالي:"له الأمر المطاع، والشرف اليَفَاع، والعِرْض المصون، والمال المضاع". وقد اجتمعا في قوله تعالى: {وَالْعَصْرِ، إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [سورة العصر: - 3] .
ولا يحسن أن تُولَى قرينةٌ قرينةً أقصر منها كثيرا؛ لأن السمع إذا استوفى أمده من الأولى لطولها، ثم جاءت الثانية أقصر منها كثيرا يكون كالشيء المبتور، ويبقى السامع كمن يريد الانتهاء إلى غاية فيعثَر دونها، والذوق يشهد بذلك، ويقضي بصحته.
{فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) }
وقوله تعالى: {لَوْ تَعْلَمُونَ} في قوله: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ، إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} [سورة الواقعة: 75 - 77] اعتراض في اعتراض؛ لأنه اعتُرض به بين الموصوف والصفة.
{فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ ... (89) }
واعلم أنه يلحق بالجناس شيئان:
أحدهما: أن يجمع اللفظين الاشتقاق كقوله تعالى:" {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ} [سورة الروم: 43] وقوله تعالى: {فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ} [سورة الواقعة: 89] , وقول النبي صلى الله عليه وسلم:"الظلم ظلمات يوم القيامة"، وقول الشافعي - رضي الله عنه - وقد سُئل عن النبيذ:"أجمع أهل الحرمين على تحريمه", وقول أبي تمام:"
فيا دمع أنجدني على ساكني نجد
وقول البحتري:
يعشى عن المجد الغبيّ ولن ترى ... في سؤدد أَرَبا لغير أريب
وقول محمد بن وهيب:
قسمت صروف الدهر بأسا ونائلا ... فمالُك موتور وسيفك واتر