[سورة الرحمن (55) : الآيات 46 إلى 61]
(وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ(46)
قال الآلوسي: قوله - تعالى: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ ... شروع في تعديد الآلاء التي تفاض في الآخرة على المتقين، بعد بيان سوء عاقبة المكذبين.
ومَقامَ مصدر ميمى بمعنى القيام مضاف إلى الفاعل. أي: ولمن خاف قيام ربه عليه وكونه مراقبا له، ومهيمنا عليه فالقيام هنا مثله في قوله - تعالى - أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِ
نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ... أو هو اسم مكان. والمراد به مكان وقوف الخلق في يوم القيامة للحساب .. إذ الخلق جميعا قائمون له - تعالى - كما في قوله - سبحانه: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ.
والمعنى: ولكل من خاف القيام بين يدي ربه للحساب، وخشي هيمنته - سبحانه - عليه، ومجازاته له ... لكل من خاف ذلك وقدم في دنياه العمل الصالح، جَنَّتانِ يتنقل بينهما، ليزداد سروره، وحبوره.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم قال: جَنَّتانِ؟ قلت الخطاب للثقلين، فكأنه قيل لكل خائفين منكما جنتان. جنة للخائف الإنسى، وجنة للخائف الجنى.
ويجوز أن يقال: جنة لفعل الطاعات، وجنة لترك المعاصي، لأن التكليف دائر عليهما، وأن يقال: جنة يثاب بها وأخرى تضم إليها على وجه التفضل، كقوله - تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ.
وقوله: ذَواتا أَفْنانٍ صفة للجنتين. والأفنان جمع فنن - بفتحتين - وهو الغصن.
أي: جنتان صاحبتا أغصان عظيمة. تمتاز بالجمال واللين والنضرة.
ثم وصفهما - سبحانه - بصفات أخرى كريمة فقال: فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ أي: في كل جنة منهما عين تجرى بالماء العذب الفرات ...
فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ أي: وفيهما كذلك من كل نوع من أنواع الفاكهة صنفان، ليتفكه المتقون ويتلذذوا بتلك الفواكه الكثيرة، التي لا هي مقطوعة، ولا هي ممنوعة.
ثم بين - سبحانه - حسن مجلسهم فقال: مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ، وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ.
والجملة الكريمة حال من قوله - تعالى: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ ...