46 -ولما فرغ سبحانه من تعداد النعم الدنيوية على الثقلين ذكر نعمه الأخروية التي أنعم بها عليهم. فقال: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ} ؛ أي: موقف ربه سبحانه. وهو الموقف الذي يقف فيه العباد للحساب، كما قال: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6) } . فالإضافة للاختصاص الملكي، إذ لا ملك يومئذٍ إلا لله تعالى. والمقام: اسم مكان كما فسرناه، أو مصدر ميمي؛ أي: خاف قيامه بين يدي ربه، وجزاءه على الأعمال خيرًا أو شرًا. وقيل: المعنى: خاف قيام ربه عليه. وهو إشرافه على أحواله, واطلاعه صلى أفعاله وأقواله, كما في قوله: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} . قال مجاهد، والنخعي: هو الرجل يهم بالمعصية، فيذكر الله فيدعها من خوفه.
والمعنى: أي ولمن خشي ربه، وراقبه في أعماله، وأيقن بأنه مجازيه عليها يوم العرض والحساب يوم تجزى كل نفس بما كسبت، فإذا هو هم بمعصية ذكر الله، وأنه عليم بسره ونجواه، فتركها مخافة عقابه وشديد حسابه، فعل الخير وأحب الخير للناس.
{جَنَّتَانِ} جنة روحية تصل به إلى حظيرة القدس، وجمال الملكوت، ورضا الله عنه {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ} . وجنة جسمانية بمقدار ما عمل في الدنيا من خير، وقدم من صالح عمل.
47 - {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47) } ؛ أي: بأي نعم ربكما أيها الثقلان تنكران، فإثابته المحسن منكم بما وصف، وعقابه العاصي بما عاقب من النعم العظمى والمنن الكبرى.
واختلف في الجنتين، فقال مقاتل: يعني: جنّة عدن، وجنّة النعيم. وقيل: إحداهما التي خلقت له، والأخرى التي ورثها. وقيل: إحداهما: منزله، والأخرى: منزل أزواجه. وقيل: إحداهما: أسافل القصور، والأخرى: أعاليها. وقيل: جنة للخائف الإنسي، وجنة للخائف الجني على طريق التوزيع. فإن الخطاب للفريقين، والمعنى: لكل خائفين منكما جنة.