وفيه نظر لقوله - صلى الله عليه وسلم -:"إنَّ مؤمني الجن لهم ثواب، وعليهم عقاب، وليسوا من أهل الجنة مع أمة محمد، هم على الأعراف حائط الجنة، تجري فيه الأنهار، وتنبت فيه الأشجار والثمار". يقول الفقير: قد سبق في أواخر الأحقاف أن المذهب أن الجن في حكم بني آدم ثوابًا وعقابًا؛ لأنهم مكلفون مثلهم، وإن لم نعلم كيفية ثوابهم. فارجع إلى التفصيل في تلك السورة. وقيل: جنة لعقيدته التي يعتقدها، وأخرى لعمله الذي يعمله. أو جنة لفعل الطاعات، وأخرى لترك المعاصي. أو جنة يثاب بها، وأخرى يتفضل بها عليه. وهذا ما جاء مثنى بعد. وقال الفراء: إنما هي جنة واحدة، والتثنية لأجل موافقة رؤوس الآي. قال النحاس: وهذا القول من أعظم الغلط على كتاب الله تعالى. فإن الله يقول: {جَنَّتَانِ} ويصفهما بقوله: {فِيهِمَا} إلخ.
48 - {ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (48) } صفة لجنتان، وما بينهما اعتراض وسط تنبيهًا على أن تكذيب كل من الموصوف والصفة موجب للإنكار والتوبيخ. و {ذَوَاتَا} تثنية ذات بمعنى صاحبة. والأفنان جمع فنّ. وهو النوع من كل شيء، أي: ذواتا أنواع من الأشجار والثمار. أو جمع فنن. وهو الغصن المستقيم طولًا أو الذي يتشعب من فروع الشجرة؛ أي: ذواتا أغصان متشعبة من فروع الشجرة، وتخصيصها بالذكر؛ لأنها التي تورق، وتثمر، وتمد الظل، وتجتنى منها الثمار. يعني: أن في الوصف تذكيرًا لها على سبيل الكناية، كأنّه قيل: ذواتا أوراق وأثمار وأظلال. وقيل: معنى {ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (48) } : ذواتا فضل وسعة على ما سواهما, قاله قتادة. وقيل: الأفنان: ظل الأغصان على الحيطان، روي هذا عن مجاهد، وعكرمة.
49 - {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (49) } فإن كل واحد منهما .. ليس بمحل لتكذيب، ولا بموضع للإنكار.
50 - {فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (50) } صفة أخرى لجنتان، فصل بينهما بقوله: {فبأيّ ...} إلخ، مع أنه لم يفصل به بين الصفات الكائنة من قبيل العذاب، حيث قال: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ} مع أن إرسال النحاس غير إرسال الشواظ.