أي: في كل واحدة من الجنتين عين جارية من ماء غير آسن، وعين من خمر لذة للشاربين، قاله عطية. وقال الحسن: إحداهما السلسبيل، والأخرى التسنيم تجريان، وتسيلان، وتسقيان تلك الأشجار والأغصان. وقال أبو بكر الوراق رحمه الله: فيهما عينان تجريان لمن كانت عيناه في الدنيا تجريان من مخافة الله عزَّ وجل، فتجريان في كل مكإن شاء صاحبها، وإن علا مكانه كما تصعد المياه في الأشجار في كل غصن منها، وإن زاد علوها. وقيل: كل واحدة منهما مثل الدنيا أضعافًا مضاعفة.
51 - {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (51) } فإنَّ من جملتها هذه النعمة الكائنة في الجنة لأهل السعادة.
52 - {فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (52) } ؛ أي: صنفان رطب ويابس، لا ينقص أحدهما عن الآخر لذّة وطيبًا، بخلاف ثمار الدنيا؛ فإنّ الطازج فيها ألذ طعمًا وأشهى مأكلًا. وقيل: صنفان معهود وغريب، لم يره أحد، ولم يسمع به. وقيل: صنفان حلو وحامض. وقيل: لونان. وقيل: صنفان في المنظر دون المطعم.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ما في الدنيا حلوة ولا مرة إلا وهي في الجنّة، حتى الحنظلة، إلا أنه حلو؛ لأن ما في الجنة خلق من حلاوة العبادة والطاعات، فلا يوجد فيها المر المخلوق من مرارة السيئات كزقوم جهنم، ونحوه. ولكون الجنة دار الجمال لا يوجد فيها اللون الأسود أيضًا, لأنه من أثار الجلال. وهذه الجملة صفة ثالثة لجنتان.
53 - {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (53) } ؛ أي: من هذه النعم اللذيذة. فإن في مجرد تعداد هذه النعم، ووصفها في هذا الكتاب العزيز من الترغيب إلى فعل الخير، والترهيب من فعل الشر، ما لا يخفى على من يفهم. وذلك نعمة عظمى، ومنة كبرى. فكيف بالتنعم به عند الوصول إليه.
54 -وبعد أن ذكر طعامهم ذكر فراشهم، فقال: {مُتَّكِئِينَ} حال من فاعل قوله: {وَلِمَنْ خَافَ} . وإنما جمع حملًا على معنى {من} . وقيل: عاملها محذوف، والتقدير: يتنعمون متكئين جالسين جلوس المتمكن المستريح.