ومن لطائف ونكات معاني القرآن وإعرابه للزجاج:
سُورَةُ الواقعة
(فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ(8)
والمعنى وأصحاب الميمنة ما هم، أي شيء هُمْ (وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ(9)
أي شيء هم.
وهذا اللفظ مجراه في العربية مجرى التعَجب، ومجراه من اللَّه - عزَّ وجلَّ - في مخاطبة العباد مجرى ما يعظم به الشأنُ عندهم.
ومثله (الحاقة ما الحاقة) ، و (القارعة ما القارعة) .
(وَحُورٌ عِينٌ(22)
بالخفض، وقرئت بالرفع، والذين قرأوها بالرفع كرهوا الخفض لأنَّهُ عطف على قوله: (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ(17) بِأَكْوَابٍ).
فقالوا: الحور ليس مما يطاف به، ولكن مخفوض على غير ما ذهب إليه هؤلاء
لأن معنى (يطوف عليهم وِلْدَان مخلدونَ) ينعمون بهذا، وكذلك ينعمون بلحم طيرٍ وكذلك ينعمون بحورٍ عِينٍ.
ومن قرأ بالرفع فهو أحْسَن الوجهين لأن معنى (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ) بهذه الأشياء بمعنى ما قد ثبت لهم فكأنه قال: ولهم حُورٌ عِينٌ.
ومثله مما حمل على المعنى قول الشاعر:
بَادَت وغُيِّر آيهن مع البلي ... إلاَّ رَواكدَ جَمْرُهُنَّ هَباءُ
ومشججٌ أما سواءُ قذا له ... فبدا وغيره سَارَه المَعْزَاءُ
لأنه قال: إلَّا رَوَاكِدَ، كان المعنى بها رَوَاكِد، فَحَمَلَ ومشججٌ على المعنى.
وقد قرئت (وحوراً عِيناً) بالنَّصْبِ على الحمل على المعنى أيضاً، لأن المعنى يُعْطَوْن هذه الأشياءَ ويُعْطَون حوراً عيناً، إلا أن هذه القراءة تخالف المصحف الذي هو الإِمَامَ، وأهل العلم يكرهون أن يُقْرَأ بِمَا يَخَالِف الإِمَامَ.
ومعنى الحور: الشديدات البياض، والعِين الكبيرات العيُونِ حِسَانها.
(كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ(23)
ومعنى (كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ(23)
أي كأمثال الدر حين يخرج من صَدَفِه وَكِنِّه.
لم يغيره الزَّمَان واختلاف أحوال الاستعْمَال، وإنما يعني بقوله: (كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ) أي في صفائهن وتَلْألُئِهِن كصفاء الدُّرِّ وتَلَألِئِه. انتهى انتهى {معاني القرآن وإعرابه، للزجاج} ...