سورة الرحمن
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ} [1 - 2]
{الرحمن علم القران} أي: بصّر به ما فيه رضاه، وما فيه سخطه، برحمته ليطاع باتباع ما يرضيه، وعمل ما أمر به، وباجتناب ما نهى عنه، وأوعد عليه، فينال جزيل ثوابه، وينجى من أليم عقابه.
قال القاضي: لما كانت السورة مقصورة على تعداد النعم الدنيوية والأخروية، صدّرها بـ: {الرَّحْمَنِ} وقدم ما هو أصل النعم الدينية وأجلّها، وهو إنعامه بالقرآن، وتنزيله وتعليمه، فإنه أساس الدين، ومنشأ الشرع، وأعظم الوحي، وأعز الكتب، إذ هو بإعجازه واشتماله على خلاصتها، مصدق لنفسه، ومصداق لها.
ثم أتبعه بقوله:
{خَلَقَ الْإِنْسَاْن * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} [3 - 4]
{خلق الْإِنْسَاْن علمه البيان} إيماء بأن خلق البشر، وما تميز به عن سائر الحيوان من البيان - وهو التعبير عما في الضمير، وإفهام الغير - لما أدركه لتلقي الوحي, وتعرف الحق، وتعلم الشرع، أي: فإذا كان خلقهم إنما هو في الحقيقة لذلك اقتضى اتصاله بالقرآن، وتنزيله الذي هو منبعه، وأساس بنيانه.
قال الزمخشريّ: وإخلاؤها من العاطف لمجيئها على نمط التعديد، كما تقول: زيد أغناك بعد فقر، أعزك بعد ذل، كثرك بعد قلة، فعل بك ما لم يفعل أحد بأحد، فما تنكر إحسانه؟ وهذا - كما قال الشهاب - مصحح. والمرجح الإشارة إلى أن كلاً منها ربما مستقلة تقتضي الشكر، ففيه إيماء إلى تقصيرهم في أدائه. ولو عطفت مع شدة اتصالها وتناسبه، ربما توهم أنها كلها نعمة واحدة.