فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 431358 من 466147

ومن لطائف ونكات تفسير الثعلبي:

سورة الرحمن

(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ(13)

وأما الحكمة من تكرارها فقال القتيبي: إن الله سبحانه وتعالى عدّد في هذه السورة نعماه، وذكّر خلقه آلاءه. ثم أتبع ذكر كلّ كلمة وضعها، ونعمة ذكرها بهذه الآية، وجعلها فاصلة بين كل نعمتين لينبههم على النعم ويقرّرهم بها، وهو كقولك لرجل: أحسنت إليه وتابعت بالأيادي، وهو في كل ذلك ينكرك ويكفرك: ألم تكن فقيرا فأغنيتك؟ أفتنكر؟

ألم تكن عريانا فكسوتك؟، أفتنكر هذا؟

ألم أحملك وأنت راحل؟ أفتنكر هذا؟

ألم تكن خاملا فعززتك؟، أفتنكر هذا؟

ألم تكن صرورة فحججت بك؟ أفتنكر هذا؟

والتكرار سائغ في كلام العرب، حسن في مثل هذا الموضع. قال الشاعر:

[[المم سلومه المم المم] ]

وقال الآخر:

كم نعمة كانت لكم ... كم كم وكم

وقال آخر:

فكادت فرارة تصلى بنا ... فأولى فرارة أولى فرارا

وقال آخر:

لا تقطعن الصديق ما طرفت ... عيناك من قول كاشح أشر

ولا تملّنّ من زيارته ... زره وزره وزر وزر وزر

وقال الحسين بن الفضل: التكرار لطرد الغفلة وتأكيد الحجة.

(سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ(31)

فإن قيل: إن الفراغ لا يكون إلّا عن شغل والله تعالى لا يشغله شأن عن شأن؟

قلنا: اختلف العلماء في معنى هذه الآية فقال قوم: هذا وعيد وتهديد من الله سبحانه وتعالى لهم كقول القائل: لأتفرغنّ لك وما به شغل، وهذا قول ابن عباس والضحاك.

وقال آخرون: معناه سنقصدكم بعد الترك والإمهال ونأخذ في أمركم، وقد يقول القائل للذي لا شغل له: قد فرغت لي وفرغت لشتمي، أي أخذت فيه وأقبلت عليه. قال جرير بن الخطفي:

ولما التقى القين العراقي بأسته ... فرغت إلى القين المقيّد بالحجل)

أي قصدته بما يسوؤه، وهذا القول اختيار الفندي والكسائي.

وقال بعضهم: إن الله سبحانه وعد على التقوى وأوعد على الفجور، ثم قال: سَنَفْرُغُ لَكُمْ مما أوعدناكم وأخبرناكم فنحاسبكم ونجازيكم، وننجز لكم ما وعدناكم، ونوصل كلا إلى ما عدناه، فيتمّ ذلك ويفرغ منه، وإلى هذا ذهب الحسن ومقاتل وابن زيد.

وقال ابن كيسان: الفراغ للفعل هو التوفر عليه دون غيره.

(أَيُّهَ الثَّقَلانِ) أي الجن والإنس، دليله قوله في عقبه (يامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) سمّيا ثقلين لأنهما ثقل على الأرض أحياء وأمواتا، قال الله سبحانه: (وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها)

وقال بعض أهل المعاني: كل شيء له قدر ينافس فيه فهو ثقل، ومنه قيل لبيض النعام: ثقل لأن واجده وصائده يفرح إذا ظفر به قال الشاعر:

فتذكّرا ثقلا رثيدا بعد ما ... ألقت ذكاء يمينها في كافر)

وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي»

فجعلهما ثقلين إعظاما لقدرهما.

وقال جعفر الصادق: سمي الجن والإنس ثقلين لأنهما مثقلان بالذنوب.

(فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ(39)

قال الحسين وقتادة: لا يسألون عن ذنوبهم، لأن الله سبحانه علمها منهم وحفظها عليهم، وكتبت الملائكة عليهم، وهي رواية العوفي عن ابن عباس، وعنه أيضا لا يسأل الملائكة المجرمين لأنهم يعرفونهم بسيماهم، دليله ما بعده، وإلى هذا القول ذهب مجاهد.

وعن ابن عباس أيضا في قوله سبحانه: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ وقوله(فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ) قال: لا يسألهم هل عملتم كذا وكذا؟ لأنه أعلم بذلك منهم، ولكن يسألهم لم عملتم كذا وكذا؟

وقال عكرمة أيضا: مواطن يسأل في بعضها ولا يسأل في بعضها.

وعن ابن عباس أيضا: لا يسألون سؤال شفاء وراحة، وإنما يسألون سؤال تقريع وتوبيخ.

وقال أبو العالية: لا يسأل غير المذنب عن ذنب المجرم.

(مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ(54)

قال ابن مسعود وأبو هريرة: هذه البطائن فما ظنّكم بالظهائر؟

وقيل: لسعيد بن جبير:

البطائن من إستبرق فما الظواهر؟

قال: هذا مما قال الله سبحانه: (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ) .

وعنه أيضا قال: بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وظواهرها من نور جامد.

وقال الفرّاء: أراد بالبطائن الظواهر.

قال المؤرخ: هو بلغة القبط، وقد تكون البطانة ظهارة والظهارة بطانة لأن كل واحد منهما يكون وجها، تقول العرب: هذا ظهر السماء، وهذا بطن السماء للذي يراه.

وقال عبد الله ابن الزبير في قتلة عثمان: قتلهم الله شرّ قتلة، ونجا من نجا منهم تحت بطون الكواكب، يعني هربوا ليلا، فجعل ظهور الكواكب بطونا.

قال القتيبي: هذا من عجيب التفسير، وكيف تكون البطانة ظهارة، والظهارة بطانة؟

والبطانة من بطن من الثوب، وكان من شأن الناس إخفاؤه، والظهارة ما ظهر منه، ومن شأن الناس إبداؤه، وهل يجوز لأحد أن يقول لوجه المصلي: هذا بطانته، ولما ولي الأرض: هذا ظهارته، لا والله لا يجوز هذا، وإنما أراد الله سبحانه وتعالى أن يعرّفنا لطفه من حيث يعلم فضل هذه الفرش، وأن ما ولي الأرض منها إستبرق، وإذا كانت البطانة كذلك فالظهارة أعلى وأشرف، وكذلك

قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذه الحلّة» .

فذكر المناديل دون غيرها لأنها أحسن ويصدّق قول القتيبي ما حكيناه عن ابن مسعود وأبي هريرة، والله أعلم.

(وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ) ثمرهما (دانٍ) قريب يناله القائم والقاعد والنائم. انتهى انتهى {تفسير الثعلبي} ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت