[من روائع الأبحاث]
(( القضاء والقدر ) )
للإمام/ محمد عبده
قضت سنة الله في خلقه بأن للعقائد القلبية سلطانًا على الأعمال البدنية , فما
يكون في الأعمال من صلاح أو فساد، فإنما مرجعه فساد العقيدة وصلاحها , على
ما بينا في بعض الأعداد الماضية , ورُب عقيدة واحدة تأخذ بأطراف الأفكار فيتبعها
عقائد ومدركات أخرى , ثم تظهر على البدن بأعمال تلائم أثرها في النفس , ورُب
أصل من أصول الخير وقاعدة من قواعد الكمال إذا عرضت على الأنفس في تعليم
أو تبليغ شرع يقع فيها الاشتباه على فهم السامع فتلتبس عليه بما ليس من قبيلها ,
وتصادف عنده بعض الصفات الرديئة أو الاعتقادات الباطلة فيعلق بها عند الاعتقاد
شيء مما تصادفه , وفى كلا الحالين يتغير وجهها ويختلف أثرها , وربما تتبعها
عقائد فاسدة مبنية على الخطأ في الفهم أو على خبث الاستعداد فتنشأ عنها أعمال
غير صالحة , وذلك على غير علم من المعتقِد كيف اعتقد، ولا كيف يصرفه
اعتقاده , والمغرور بالظواهر يظن أن تلك الأعمال إنما نشأت عن الاعتقاد بذلك
الأصل وتلك القاعدة.
ومن مثل هذا الانحراف في الفهم وقع التحريف والتبديل في بعض أصول
الأديان غالبًا , بل هو علة البدع في كل دين على الأغلب , وكثيرًا ما كان هذا
الانحراف وما يتبعه من البدع منشأ لفساد الطباع وقبائح الأعمال حتى أفضى بمن
ابتلاهم الله به إلى الهلاك وبئس المصير , وهذا ما يحمل بعض من لا خبرة لهم
على الطعن في دين من الأديان أو عقيدة من العقائد الحقة استنادًا إلى أعمال بعض
السذج المنتسبين إلى الدين أو العقيدة.
من ذلك عقيدة القضاء والقدر التى تعد من أصول العقائد في الديانة الإسلامية
الحقة , كثر فيها لغط المغفلين من الإفرنج وظنوا بها الظنون , وزعموا أنها ما
تمكنت من نفوس قوم إلا وسلبتهم الهمة والقوة , وحكَّمت فيهم الضعف والضعة ,
ورموا المسلمين بصفات , ونسبوا إليهم أطوارًا , ثم حصروا علتها في الاعتقاد
بالقدر.
قالوا: إن المسلمين في فقر وفاقة وتأخر في القوى الحربية والسياسية عن
سائر الأمم , وقد نشأ فيهم فساد الأخلاق فكثر الكذب والنفاق والخيانة والتحاقد