[من روائع الأبحاث]
(فصل: من الأسرار البلاغية في السورة الكريمة)
قال أبو هلال العسكري:
سورة القمر
{وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ ... (3) }
ثلاث كلمات اشتملت على عواقب الدنيا والآخرة.
{حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (5) }
(البلاغة)
البلاغة من قولهم: بلغت الغاية إذا انتهيت إليها وبلّغتها غيرى. ومبلغ الشيء: منتهاه.
والمبالغة في الشيء: الانتهاء إلى غايته. فسمّيت البلاغة بلاغة لأنها تنهي المعنى إلى قلب السامع فيفهمه. وسمّيت البلغة بلغة لأنك تتبلّغ بها، فتنتهى بك إلى ما فوقها، وهي البلاغ أيضا. ويقال: الدنيا بلاغ لأنها تؤدّيك إلى الآخرة.
والبلاغ أيضا: التبليغ، في قول الله عزّ وجل: {هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ} [سورة إبراهيم] أي تبليغ.
ويقال: بلغ الرجل بلاغة إذا صار بليغا. كما يقال نبل نبالة إذا صار نبيلا.
وكلام بليغ وبلغ (بالفتح) ، كما يقال: وجيز ووجز، ورجل بلغ (بالكسر) :
يبلغ ما يريد. وفي مثل لهم «أحمق بلغ» . ويقال: أبلغت في الكلام إذا أتيت بالبلاغة فيه. كما تقول: أبرحت إذا أتيت بالبرحاء وهو الأمر الجسيم. والبلاغة من صفة الكلام لا من صفة المتكلّم.
فلهذا لا يجوز أن يسمّى الله جلّ وعزّ بأنه بليغ إذ لا يجوز أن يوصف بصفة كان موضوعها الكلام. وتسميتنا المتكلم بأنه بليغ توسّع. وحقيقته أنّ كلامه بليغ، كما تقول: فلان رجل محكم، وتعنى أن أفعاله محكمة. قال الله تعالى: {حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ} .
فجعل البلاغة من صفة الحكمة، ولم يجعلها من صفة الحكيم، إلّا أن كثرة
الاستعمال جعلت تسمية المتكلّم بأنه بليغ كالحقيقة، كما أنها جعلت تسمية المزادة راوية كالحقيقة، وكان الراوية حامل المزادة وهو البعير وما يجري مجراه.
ولهذا سمّى حامل الشعر راوية، وكما صار تسمية البغيّ المكتسبة بالفجور القحبة حقيقة، وإنما القحاب السّعال. وكانوا إذا أرادوا الكناية عن زنت وتكسّبت بالفجور قالوا: قحبت، أي سعلت.
ومن ذلك النّجو لأنّ الرجل كان إذا أراد قضاء الحاجة استتر بنجوة، والنجوة:
الارتفاع من الأرض فسمّى ذلك الشيء نجوا مجازا، ثم كثر استعمالهم له فصار كالحقيقة وصرّفوه، فقالوا: ذهب ينجو، كما يقال: ذهب يتغوّط، إذا صار إلى الغائط، وهو البطن من الأرض لقضاء الحاجة، وسمّوا الشيء الغائط، وصار كالحقيقة حين كثر استعمالهم له. وقالوا، إذا غسل ذلك الموضع من النجو: يستتجى، ومثل هذا كثير ليس هذا موضع استيعابه.
{إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (19) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (20) }
فاجتمع الأمران في قلع الريح لهما وإهلاكهما والتخوّف من تعجيل العقوبة. انتهى انتهى {الصناعتين لأبي هلال العسكري} ...