وقال الطبري: كذبوا بإنذاره شكًّا منهم فيه. قال أهل التأويل: تماروا بالنذر لم يصدقوه. وذكر القرطبي: شكوا فيما أنذرهم الرسول وهو تفاعل من المرية، وقال الآلوسي: الفعل مضمن معنى التكذيب ولولاه تعدى بفي. وذكر البروسوي: ضمن معنى التكذيب فعدي. من المرية وأصله تماروا على وزن تفاعلوا.
وأتساءل: لم عدل سبحانه عن التكذيب والمتعدي بالباء إلى (المماراة) والمتعدي بـ (في) ؟ وهذه تحتمل التكذيب كما تحتمل المجادلة، وهي أقوى من الشك. لقد حذرهم لوط عليه السلام وأنذرهم عاقبة الشذوذ الملوث القدر حين راودوه عن ضيوفه من غير استحياء، ولا تحرّج من حرمة نبيهم. فشكوا في نذارته وارتابوا فيما بينهم، وجادلوا نبيهم فتدخلت يد القدرة (فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ) فكان العمى هو النذير.
والجواب: إن موقف قوم لوط من نبيهم عليه السلام غير مُوَحَّد فهم بين ممارٍ في نذارته مشكك، وبين مترددٍ مرتاب به مكذب، ولو أجمعوا على تكذيبه لجاء النص: فكذبوا بالنذر، ولكنهم في إقبال من أمر عدوانهم وإدبار، يجادل بعضهم بعضا يدلنا على ذلك صيغة (فاعل) التي تفيد المشاركة بين طرفين، ويتمارون في صحة ما يهددهم به. فالتضمين يشخص لنا الموقف بكل دقائقه النفسية من شك، ومحاجة، وجدل، وتكذيب بعد أن هاج سُعارهم الجنسي الشاذ للاعتداء على ضيوفه، وحَسِبوهم غِلمانا صِباحَ الوجوه. وما كنا لنجني هذه اللطائف لولا نباوة التضمين، حين كشف عن دخيلة نفوسهم مما خفي عنا من عوارضها، ولخص موقفهم فجمع: الشك مع المِراء مع التكذيب. فافزع إلى التضمين فمطمحه نبيل، وإن كان مسلكه غير يسير. انتهى انتهى {التضمين النحوي في القرآن الكريم، للدكتور/ محمد نديم فاضل} ...