23 - {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (23) } ؛ أي: بالإنذارات والمواعظ التي سمعوها من صالح عليه السلام، أو كذبوا بالرسل الذين بعثهم الله لخلقه، وهم وإن كذبوا صالحًا فحسب، لكن تكذيبه تكذيب لهم جميعًا لاتفاقهم على الأصول العامة للتشريع، وهي التوحيد، ومجيء الرسل، واليوم الآخر.
24 -ثم فصل تكذيبهم، وحكى عنهم مقالهم فقال: {فَقَالُوا} في تكذيبه {أ} نتبع {بَشَرًا} أي: آدميًّا لا ملكًا {مِنَّا} ؛ أي: كائنًا من جنسنا. وانتصابه بفعل يفسّره ما بعده. فأداة الاستفهام داخلة على الفعل، وإن كان تقديرًا كما هو الأصل. {وَاحِدًا} ؛ أي: منفردًا لا تبع له, أو واحدًا من آحادهم، لا من أشرافهم. وتأخير هذه الصفة عن {مِنَّا} للتنبيه على أن كلا من الجنسية والوحدة مما يمنع الاتباع، ولو قدمت عليه .. لفاتت هذه النكتة. {نَتَّبِعُهُ} في أمره {إِنَّا إِذًا} ؛ أي:
على تقدير اتباعنا له. وهو منفرد ونحن أمة، وأيضًا ليس بملك لما كان في اعتقاد الكفرة من التنافي بين الرسالة والبشرية {لَفِي ضَلَالٍ} وخطأ عن الصواب والحق {وَسُعُرٍ} ؛ أي: جنون. فإن ذلك بمعزل عن مقتضى العقل.
والاستفهام في قوله: {أَبَشَرًا} للإنكار؛ أي: كيف نتبع بشرًا كائنًا من جنسنا منفردًا وحده، لا متابع له على ما يدعو إليه. وقيل: كان يقول لهم: إن لم تتبعوني .. كنتم في ضلال عن الحق وسعر؛ أي: نيران، جمع سعير. فعكسوا عليه لغلبة عتوّهم، فقالوا: إن اتبعناك كنا إذن كما تقول، وقال الزمخشري:
فَإِنْ قُلْتَ: كيف أنكروا أن يتبعوا بشرًا منهم واحدًا؟
قلت: قالوا: {أَبَشَرًا} إنكارًا لأن يتبعوا مثلهم في الجنسية، وطلبوا أن يكون من جنس أعلى من جنس البشر، وهم الملائكة. وقالوا: {مِنَّا} لأنه إذا كان منهم كانت المماثلة أقوى. وقالوا: {وَاحِدًا} إنكارًا لأن تتبع الأمة رجلًا واحدًا. وأرادوا من أبنائهم ليس بأشرفهم، ولا أفضلهم. ويدل عليه قوله: {أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا} انتهى.