{هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3) }
(فائدة بديعة)
القاعدة: أن الشيء لا يعطف على نفسه لأن حروف العطف بمنزلة تكرار العامل لأنك إذا قلت قام زيد وعمرو فهي بمعنى قام زيد وقام عمرو والثاني غير الأول فإذا وجدت مثل قولهم كذبا ومينا فهو لمعنى زائد في اللفظ الثاني وإن خفي عنك ولهذا يبعد جدا أن يجيء في كلامهم جاءني عمر وأبو حفص ورضي الله عن أبي بكر وعتيقه فإن الواو إنما تجمع بين الشيئين لا بين الشيء الواحد فإذا كان في الاسم الثاني فائدة زائدة على معنى الاسم الأول كنت مخيرا في العطف وتركه فإن عطفت فمن حيث قصدت تعداد الصفات وهي متغايرة وإن لم تعطف فمن حيث كان في كل منهما ضمير هو الأول فعلى الوجه الأول تقول زيد فقيه شاعر كاتب وعلى الثاني فقيه وشاعر وكاتب كأنك عطفت بالواو الكتابة على الشعر وحيث لم تعطف أتبعت الثاني الأول لأنه هو من حيث اتحد الحامل للصفات.
وأما في أسماء الرب تبارك وتعالى فأكثر ما يجيء في القرآن الكريم بغير عطف نحو السميع العليم العزيز الحكيم الغفور الرحيم (الملك القدوس السلام) إلى آخرها.
وجاءت معطوفة في موضعين أحدهما في أربعة أسماء وهي (الأول والآخر والظاهر والباطن)
والثاني في بعض الصفات بالاسم الموصول مثل قوله: {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى}
ونظيره: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ وَالَّذِي خَلَقَ الأزْوَاجَ كُلَّهَا}
فأما ترك العطف في الغالب فلتناسب معاني تلك الأسماء وقرب بعضها من بعض، وشعور الذهن بالثاني منها شعوره بالأول.
ألا ترى أنك إذا شعرت بصفة المغفرة انتقل ذهنك منها إلى الرحمة، وكذلك إذا شعرت بصفة السمع انتقل الذهن إلى البصر
وكذلك: {الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ}
وأما تلك الأسماء الأربعة فهي ألفاظ متباينة المعاني متضادة الحقائق في أصل موضوعها، وهي متفقة المعاني متطابقة في حق الرب تعالى لا يبقى منها معنى بغيره، بل هو (أول) كما أنه (آخر) و (ظاهر) كما أنه (باطن)
ولا يناقض بعضها بعضا في حقه.