الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ... (21) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {سَابِقُوا} أَيُّهَا النَّاسُ {إِلَى} عَمَلٍ يُوجِبُ لَكُمْ {مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ} هَذِهِ الْجَنَّةُ {لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ}
يَعْنِي الَّذِينَ وَحَّدُوا اللَّهَ، وَصَدَّقُوا رُسُلَهُ
وَقَوْلُهُ: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ}
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: هَذِهِ الْجَنَّةُ الَّتِي عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ الَّتِي أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، فَضْلُ اللَّهِ تَفَضَّلَ بِهِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَاللَّهُ يُؤْتِي فَضْلَهُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ، وَهُوَ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ عَلَيْهِمْ، بِمَا بَسَطَ لَهُمْ مِنَ الرِّزْقِ فِي الدُّنْيَا، وَوَهَبَ لَهُمْ مِنَ النِّعَمِ، وَعَرَّفَهُمْ مَوْضِعَ الشُّكْرِ، ثُمَّ جَزَاهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَلَى الطَّاعَةِ مَا وَصَفَ أَنَّهُ أَعَدَّهُ لَهُمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَا أَصَابَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ بِجُدُوبِهَا وَقُحُوطِهَا وَذَهَابِ زَرْعِهَا وَفَسَادِهَا {وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ} بِالْأَوْصَابِ وَالْأَوْجَاعِ وَالْأَسْقَامِ {إِلَّا فِي كِتَابٍ}
يَعْنِي إِلَّا فِي أُمِّ الْكِتَابِ {مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا}
يَقُولُ: مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَ الْأَنْفُسَ، يَعْنِي مِنْ قَبْلِ أَنْ نَخْلُقَهَا يُقَالُ: قَدْ بَرَأَ اللَّهُ هَذَا الشَّيْءَ، بِمَعْنَى: خَلَقَهُ فَهُوَ بَارِئُهُ.
عَنْ قَتَادَةَ:"أَمَّا مُصِيبَةُ الْأَرْضِ: فَالسِّنُونَ وَأَمَّا فِي أَنْفُسِكُمْ: فَهَذِهِ الْأَمْرَاضُ وَالْأَوْصَابُ" {مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} «مِنْ قَبْلِ أَنْ نَخْلُقَهَا»
قَالَ: وَبَلَغَنَا أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يُصِيبُهُ خَدْشُ عُودٍ، وَلَا نَكْبَةُ قَدَمٍ، وَلَا خَلَجَانُ عِرْقٍ إِلَّا بِذَنْبٍ، وَمَا يَعْفُو عَنْهُ أَكْثَرُ""