(فصل آخر: من الأسرار البلاغية في السورة الكريمة)
سورة المجادلة
{فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ... (3) }
انظر مثلا إلى قول الله تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ} (البلد: 12، 13) وقوله: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا}
فقد عبر هنا عن العبد أو المولى في الآيتين بالرقبة؛ لأنها أهم جزء في الإنسان، ولأن معاني السيادة والعبودية تظهر أوضح ظهور في الأعناق.
{أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوه ... (6) }
فالذي معنا: {أَحْصَاهُ} {وَنَسُوه} ، ولا تضاد بينهما لا في اللفظ ولا في المعنى، فإنما يُضاد النسيان هو التذكر، والإحصاء لا يكون إلا عن تذكر تام، فالذي ينسى لا يحصي، إذ لا سبيل له إلى ذلك، أما الله - سبحانه وتعالى - فلا يضل ولا ينسى، ومن هنا جاءت العلاقة بين الإحصاء والتذكر أو بين الإحصاء وعدم النسيان، والأفضل أن يكون مقابل النسيان هو عدم نسيان وليس التذكر، ذلك أن التذكر عادةً لا يكون إلا بعد نسيان - ومعاذ الله أن يلحقه نسيان - فالعلاقة هنا بين الإحصاء وعدم النسيان.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى ... (9) }
فهذه الآية الكريمة قوبل فيها بين اثنين وثلاثة؛ ثلاثة منهي عنها واثنان مأمور بهما، فالإثم يقابله البِر ومعصية الرسول يقابلها التقوى، ويبقى العدوان وهو وسط هذه المرة، وهو يمكن أن يقابل الأمرين معًا البر والتقوى، فالخروج على البر يمكن أن يكون عدوانًا، والخروج على التقوى عدوان أيضًا، والآية توحي بأن ما ينبغي أن يتوجه إليه الإنسان أقل عددًا وكُلفةً مما هي منهي عنه، فلماذا يدع الإنسان القليل المأمور به إلى الكثير المنهي عنه؟!. انتهى انتهى {علوم البلاغة المعاني والبيان والبديع، لمجموعة من العلماء} ...