(فصل: توقير العالم والشريف والكبير والترفع عن الوضيع)
قال البرقوقي:
كان زياد بن أبيه يقول: أُوصيكم بثلاثة: بالعالِم، والشريف - يعني العظيم القدر - والشيخ - يريد: الذي تقدمت به السن - فوالله لا أُوتى بوضيع سَبَّ شريفاً، أو شابٍّ وَثَبَ بشيخ، أو جاهلٍ امتَهَنَ عالماً، إلا عاقبتُ وبالغْتُ ...
وقال عُمارَة بن عقيل بن بلال بن جرير لبني أسد بن خزيمة:
يا أيّها السائلي عمداً لأُخْبِرَه ... بذاتِ نَفْسي وأيدي اللهِ فوقَ يدي
إنْ تَسْتَقِمْ أسدٌ ترشَدْ وإنْ شَغَبَتْ ... فلا يَلُمْ لائِمٌ إلا بَني أسدِ
إني رأيتكُمُ يُعْصَى كبيرُكم ... وتَكْنَعونَ إلى ذي الفَجْرَةِ النَّكِدِ
فباعَدَ اللهُ كلَّ البُعْدِ دارَكُمُ ... ولا شَفاكُمْ مِنَ الأضْغانِ والحَسَدِ
فرأى عِصْيانَهمْ الكبيرَ مِنْ أقْبحِ العيب وأدلِّه على ضِغْنِ بعضهم لبعض وحَسَدِ بعضهم بعضا، والوضيع ينقلب إلى الشريف لأنه يرى مُقاولته فخرا، والاجْتراء عليه ربحا، كما أن مُقاولة الشريف للئيم ذلُّ وضَعةٌ قال الشاعر:
إذا أنْتَ قاوَلْتَ اللئيمَ فإنّما ... يكونُ عليك العَتْبُ حينَ تُقاوِلُهْ
ولستَ كَمَنْ يَرضى بما غيرُهُ الرِّضا ... ويَمْسحُ رأسَ الذِّئْبِ والذِّئْبُ آكِلُهْ
قال المبرد: وفي هذا الشعرِ بيتان يقدّمان في باب الفَتك - وفي باب العَزْم والشجاعة والإقدام - وهما:
فلا تَقْرِنَنْ أمْرَ الصَّريمةِ بامْرئٍ ... إذا رامَ أمْراً عَوَّقَتْهُ عَواذِلُهْ
وقلْ للفُؤادِ إنْ نزا بكَ نزوةٌ ... من الرَّوعِ: أفْرِخْ أكْثرُ الرَّوعِ باطِلُهْ
قال المبرد: وقد امتنع قوم من الجواب - أي من مُقاولةِ اللئيم - تنبلاً - يريد ترفعاً - ومواضِعهم تُنْبئُ عن ذلك - أي أن مراكِزَهم تدلُّ على أن امْتِناعهم ترفّعٌ - وامتنع قوم عِيّاً بلا اعتلال - يريد دون أن يُبدوا عِلَّةً لِهذا الإعْراضِ عن اللئام - وامتنع قوم عَجزاً واعتلُّوا بكراهة السَّفه، وبعضهم معتلٌّ برفعة نفسه عن خصمه، وبعضهم كان يسُبُّه الرجل الرّكيكُ من العشيرة، فُيعرضُ ويسبُّ سيِّدَ قَوْمه، وكانت الجاهلية ربَّما فعلته في الذُّحول
-جمع ذُحْل وهو الثأر - قال الراجز:
إنّ بَجيلاً كلّما هجاني ... مِلْتُ على الأغْطَشِ أو أبانِ
أو طلْحةِ الخيرِ فتى الفتيانِ ... أولاكَ قومٌ شأنُهمْ كَشاني
ما نِلْتُ مِنْ أعْراضِهمْ كَفاني ... وإنْ سَكَتُّ عَرفوا إحْساني