[من روائع الأبحاث]
(فصل: من روائع الأدب العربي)
[المعرفة والاستدلال والتمييز]
قال الجاحظ:
ولولا استعمال المعرفة لما كان للمعرفة معنى، كما أنّه لولا الاستدلال بالأدلة لما كان لوضع الدلالة معنى.
لولا تمييز المضارّ من المنافع، والرديّ من الجيّد بالعيون المجعولة لذلك، لما جعل الله عزّ وجلّ العيون المدركة.
والإنسان الحسّاس إذا كانت الأمور المميّزة عنده، أخذ ما يحتاج إليه وترك ما يستغني عنه وما يضرّ أخذه، فيأخذ ما يحبّ ويدع ما يكره، ويشكر على المحبوب ويصبر على المكروه، حتى يذكر بالمكروه كيفيّة العقاب ويذكر بالمحبوب كيفيّة الثواب، ويعرف بذلك كيفيّة التضاعيف، ويكون ما يغمّه رادعا له، وممتحنا بالصّبر عليه، وما يسرّه باسطا له وممتحنا بالشكر عليه.
وللعقل في خلال ذلك مجال، وللرأي تقلب، وتنشقّ للخواطر أسباب، ويتهيأ لصواب الرأي أبواب.
ولتكون المعارف الحسّية والوجدانات الغريزيّة، وتمييز الأمور بها، إلى ما يتميز عند العقول وتحصره المقاييس.
وليكون عمل الدّنيا سلّما إلى عمل الآخرة، وليترقّى من معرفة الحواس إلى معرفة العقول، ومن معرفة الرويّة من غاية إلى غاية حتّى لا يرضى من العلم والعمل إلّا بما أدّاه إلى الثّواب الدائم، ونجّاه من العقاب الأليم. انتهى انتهى {الحيوان، للجاحظ} ...