{مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى ... (7) }
(فصل)
قال ابن القيم - بعد كلام:
وقد استعاذ رسول الله من الفقر وقرنه بالكفر فقال:
"اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر"
فإن الخير نوعان خير الآخرة والكفر مضاده، وخير الدنيا والفقر مضاده.
فالفقر سبب عذاب الدنيا، والكفر سبب عذاب الآخرة، والله سبحانه وتعالى جعل إعطاء الزكاة وظيفة الأغنياء وأخذها وظيفة الفقراء، وفرق بين اليدين شرعا وقدرا.
وجعل يد المعطي أعلى من الآخذ، وجعل الزكاة أوساخ المال، ولذلك حرمها على أطيب خلقه، وعلى آله صيانة لهم وتشريفا ورفعا لأقدارهم.
ونحن لا ننكر أن رسول الله كان فقيرا ثم أغناه الله، والله فتح عليه وخوله ووسع عليه وكان يدخر لأهله قوت سنة، ويعطي العطايا التي لم يعطها أحد غيره، وكان يعطي عطاء من لا يخاف الفقر ومات عن وفَدَك والنَّضِيرِ، وأموال خصه الله بها
وقال تعالى {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُول}
فنزهه ربه سبحانه عن الفقر الذي يسوغ الصدقة، وعوضه عما نزهه عنه بأشرف المال وأحله وأفضله، وهو ما أخذه بظل رمحه وقائم سيفه من أعداء الله الذين كان مال الله بأيديهم ظلما وعدوانا، فإنه خَلَق المال ليستعان به على طاعته، وهو بأيدي الكفار والفجار ظلما وعدوانا، فإذا رجع إلى أوليائه وأهل طاعته فاء إليهم ما خلق لهم، ولكن لم يكن غنى رسول الله وملكه من جنس غنى بني الدنيا وأملاكهم، فإن غناهم بالشيء، وغناه عن الشيء وهو الغنى العالي، وملكهم ملك يتصرفون فيه بحسب إرادتهم، وهو إنما يتصرف في ملكه تصرف العبد الذي لا يتصرف إلا بأمر سيده.
وقد اختلف الفقهاء في الفيء هل كان ملكا للنبي - صلى الله عليه وسلم -؟
على قولين: هما روايتان عن أحمد.
والتحقيق أن ملكه له كان نوعا آخر من الملك وهو ملك يتصرف فيه بالأمر كما قال:
"والله لا أعطي أحدا ولا أمنع أحدا إنما أنا قاسم اضع حيث أمرت"
ذلك من كمال مرتبة عبوديته ولأجل ذلك لم يورث فإنه عبد محض من كل وجه لربه عز وجل، والعبد لا مال له فيورث عنه فجمع الله له سبحانه بين أعلى أنواع الغنى وأشرف أنواع الفقر، فكمل له مراتب الكمال فليست إحدى الطائفتين بأحق به من الأخرى.