(فصل: النَّفس واختبارها فِي الْمعرفَة والسلوك)
قال الحارث المحاسبي:
قلت كَيفَ أحاسب نَفسِي فِي مَعْرفَتهَا؟
قَالَ إن الأشياء تعرف بالدلالات والعلامات والأمثال وسأضرب لَك فِي ذَلِك مثلا يكون علما لما سَأَلت عَنهُ
إن مثل النَّاس فِي جُمْلَتهمْ وَفِي تفرقهم بعد الْمعرفَة بهم والخبرة لَهُم وتفاوتهم وتفاضلهم مثل سفط مَوْضُوع فِي طَرِيق فِيهِ قَوَارِير مَمْلُوءَة موكاة الرُّءُوس يمر بِهِ النَّاس لَا يَدْرُونَ مَا فِيهِ فَعرض لَهُ من النَّاس عَارض من الْمَارَّة فَقَالَ لأكشفن عَن هَذَا السفط فلأنظرن مَا فِيهِ فكشف عَنهُ فرأى قَوَارِير مَمْلُوءَة لَا يدْرِي مَا فِيهَا فَحل أوكيتهن كُلهنَّ فَبَدَا لَهُ من هَذِه رَائِحَة الْمسك وَمن هَذِه رَائِحَة العنبر وَمن هَذِه رَائِحَة ألبان وَمن هَذِه رَائِحَة الخلوف وَمن هَذِه رَائِحَة الغالية وَمن هَذِه رَائِحَة الياسمين وَمن هَذِه رَائِحَة الْورْد وَسَائِر الطّيب والأدهان
وَمن هَذِه رَائِحَة الكبريت وَمن هَذِه رَائِحَة النفط وَمن هَذِه رَائِحَة القطران وَمَا لَا طَاقَة لَهُ بِالْقيامِ عِنْدهَا من شدَّة نَتن رِيحهَا
فَالنَّاس فِي جُمْلَتهمْ مثل السفط والقوارير وهم فِي معرفتهم والبحث عَن أخلاقهم متفرقون على قدر الْقَوَارِير
وَمثل السفط أيضا فِي جملَته مثلك أنت وَحدك والقوارير أخلاقك وآدابك وريحها الطّيب خير أخلاقك وآدابك الْحَسَنَة المرغوب فِيهَا والرائحة المنتنة شَرّ أخلاقك وآدابك السَّيئَة القبيحة
وَلَا تعرف النَّفس حَتَّى تمتحن وتختبر
فاختبر نَفسك حَتَّى تعلم مَا فِيهَا وإن أردت ذَلِك فعاملها بالموافقة لَهَا والمفاتشة لهمتها فِي وَقت الهمة وَأحد إليها النّظر حَتَّى تعرف حلمك فِي الْوَقْت الَّذِي عرض لَك فِيهِ سَفِيه فسفه عَلَيْك لَيْسَ فِي الْوَقْت الَّذِي وَافق هَوَاك.
واعرف تواضعك فِي وَقت مَا جفاك جَاف وأكرمك مكرم فَإِن فيهمَا الْفِتْنَة فَإِن العَبْد رُبمَا أظهر التَّوَاضُع عِنْد الْكَرَامَة لِيَزْدَادَ مِنْهَا وَرُبمَا تواضع عِنْد الْجفَاء ليثبت لَهُ بالتواضع عِنْد ذَلِك منزلَة بَين النَّاس فتوقف عِنْد ذَلِك كُله وفاتش الهمة
واعرف صمتك عِنْد الْخَوْف من سُقُوط جاهك عِنْد من لَك عِنْده الجاه وَالْقدر
واعرف صدقك عِنْد الْحَالة الَّتِي يتصنع ويتزين فِي مثلهَا المتزينون والمتصنعون