ومن لطائف ونكات حاشية الصاوي على الجلالين:
سورة الحشر
{وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}
قوله: (أي المدينة) أي اتخذوا منزلاً بإسلامهم من قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين، فعصموها وحفظوها بالإسلام، فكأنهم استحدثوا بناءها.
قوله: (أي القوة) أشار بذلك إلى أن قوله: {وَالإِيمَانَ} معمول لمحذوف ويكون من عطف الجمل، إذ لا معنى لتبوؤا الإيمان، وهذا أحد الوجوه الجارية في قوله: علفتها تبناً وماء بارداً، أو ضمن {تَبَوَّءُوا} معنى لزموا. والمعنى: لزموا الدار والإيمان، أو شبه تمكنهم في الإيمان باتخاذه منزلاً، ففيه جمع بين الحقيقة والمجاز.
قوله: {وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ} أي نفوسهم.
قوله: (حسداً) أي ولا غيظاً ولا حزازة، فالمراد بالحاجة هذه المعاني، روي"أن المهاجرين كانوا في دور الأنصار، فلما غنم صلى الله عليه وسلم أموال بني النضير، دعا الأنصار وشكرهم فيما صنعوا مع المهاجرين، من إنزالهم إياهم منازلهم، وإشراكهم إياهم في الأموال، ثم قال صلى الله عليه وسلم: إن أحببتم قسمت ما أفاء الله علي من بني النضير بينكم وبينهم، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في مساكنكم وأموالكم، وإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دياركم، فقال سعد بن عبادة وسعد بن معاذ: بل تقسمه بين المهاجرين، ويكونون في دورنا كما كانوا، فقال صلى الله عليه وسلم:"اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار"وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرين ولم يعط الأنصار إلا الثلاثة المتقدم ذكرهم."
قوله: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ}
أي في كل شيء من أسباب المعاش، حتى إن من كان عنده أمرأتان، كان ينزل عن إحداهما، ويزوجها واحداً من المهاجرين، والإيثار تقديم الغير على النفس، وحظوظها الدنيوية رغبة في الحظوظ الدينية، وذلك ينشأ عن قوة اليقين، وغاية المحبة والصبر على المشقة.